الخميس 6/12/1445 هـ الموافق 13/06/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
خالد محمود يكتب:تجديد الإبداع: كيف يمكن للمبدعين إحداث تأثير من خلال أفكار جديدة

الناقد خالد محمود
عندما نتحدث عن الإبداع في الأدب والشعر، قد يتبادر إلى أذهان الكثيرين أن الإبداع يعني بالضرورة ابتكار فكرة جديدة لم تكتب من قبل. هذا المفهوم، وإن كان صحيحاً إلى حد ما، يغفل جانباً مهماً من العملية الإبداعية، وهو التجديد في تقديم الأفكار وتوظيف الأساليب. الإبداع الأدبي ليس مجرد ابتكار أفكار جديدة، بل هو القدرة على إعادة صياغة الأفكار الموجودة بطريقة تجعلها تبدو جديدة ومثيرة للاهتمام.

الإبداع في الفكرة والأسلوب

قد تتساءل: كيف يمكن اعتبار فكرة قديمة جديدة؟ الجواب يكمن في الأسلوب الذي تُقدّم به هذه الفكرة. الأسلوب الأدبي، بما يتضمنه من لغة، وصور بلاغية، وتركيبات لغوية، هو ما يجعل الفكرة تأخذ شكلاً جديداً. يمكن لشاعر أن يستخدم لغة مبتكرة، أو أن يوظف الصور البلاغية بطرق غير مألوفة، فيمنح الفكرة القديمة طابعاً جديداً. كما قال الشاعر الأمريكي ت. س. إليوت: "الشعر الجيد هو الشعر الذي يبدو دائمًا جديدًا عند كل قراءة جديدة". هذا يعني أن الإبداع يمكن أن يكون في الطريقة التي تُعاد بها صياغة الأفكار القديمة، أو في العمق الذي تُمنح به الأفكار المألوفة.

الابتكار اللغوي والتقنيات السردية

الإبداع الأدبي يظهر أيضاً من خلال الابتكار اللغوي والتقنيات السردية الجديدة. الكاتب أو الشاعر المبدع هو من يستطيع أن يجد طرقاً جديدة للتعبير عن مشاعره وأفكاره، مستخدماً اللغة بطرق غير تقليدية. يمكن أن يكون ذلك من خلال خلق تركيبات لغوية جديدة، أو استخدام لغة شعرية تجريبية، أو اعتماد تقنيات سردية مبتكرة، مثل التداخل الزمني أو التنقل بين وجهات النظر.

التجديد في الأدب

التجديد هو جوهر الأدب، وهو ما يجعل النص الأدبي قادراً على التأثير عبر الزمن. الأدب الذي يبقى هو الأدب الذي يتجدد في كل قراءة، حيث يجد القارئ في كل مرة شيئاً جديداً يستحق التأمل. القدرة على جعل النص الأدبي حياً، وجعله يتحدث إلى أجيال مختلفة، هي ما يجعل الكاتب أو الشاعر مبدعاً بحق.

الابتكار في الأدب العربي

في الأدب العربي، لدينا أمثلة عديدة على الإبداع الأدبي الذي يجمع بين الجدة والتجديد. الشعراء الكبار مثل المتنبي وأحمد شوقي، كانوا قادرين على تقديم أفكار مألوفة بطرق جديدة، مستخدمين اللغة بشكل مبتكر. حتى في العصر الحديث، نرى كتاباً مثل نجيب محفوظ ومحمود درويش يعيدون صياغة تجارب حياتية مألوفة بطرق تجعل القارئ يشعر وكأنه يرى العالم لأول مرة من خلال كلماتهم.

الخلاصة

الإبداع الأدبي لا يعني بالضرورة ابتكار فكرة جديدة لم تكتب من قبل. بل يكمن في القدرة على إعادة صياغة الأفكار الموجودة بطرق تجعلها تبدو جديدة ومثيرة للاهتمام. الإبداع يمكن أن يظهر من خلال الابتكار اللغوي، والأسلوب الأدبي، والتقنيات السردية الجديدة. الإبداع هو تحويل المألوف إلى غير مألوف، وجعل القارئ يشعر وكأنه يرى العالم لأول مرة من خلال كلمات الكاتب أو الشاعر. الأدب العظيم هو الأدب الذي يتجدد في كل قراءة، والأدباء العظام هم من يمتلكون القدرة على تجديد الأفكار وإضفاء الحيوية على النصوص، مما يجعلهم يستحقون لقب المبدعين.

2024-06-02