الخميس 6/12/1445 هـ الموافق 13/06/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لم تنضج ملامح الصفقة بعد؟....د. سنية الحسيني

ليست كأي صفقة أخرى تلك التي نتحدث عنها اليوم، وهو ما لم يستطع فهمه نتنياهو وشريكه بايدن حتى الآن. أعادت حرب الابادة التي يشنها نتنياهو وحكومته على غزة اليوم، تذكير العالم بتلك الحرب التي شنّتها العصابات الصهيونية منذ أكثر من سبعة عقود، والتي قتلت الاف الفلسطينيين الأبرياء وهجرت مئات الآلاف منهم عن ديارهم وديار آبائهم وأجدادهم، وبني كيان الاحتلال على أنقاض تلك المدن والقرى الفلسطينية التي دمرت.  كما تفرض تلك الصفقة تذكير بايدن ونتنياهو بحالة الاحتلال التي يعيشها الفلسطينيون في استكمال ذلك الاحتلال مخططه بالسيطرة على باقي الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة. لم يأت ذلك السلام الذي دشن مطلع العقد التاسع من القرن الماضي بوساطة أميركية للفلسطينيين بأي سلام، بل عمل على ترسيخ ذلك الاحتلال بثمن أقل. إن تلك الحرب المشتعلة في غزة اليوم، وفي الجبهات المساندة خصوصا في الجنوب اللبناني، تذكر العالم بأن مشكلة ذلك الكيان لن يتم حلها في المنطقة قبل حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة بالتحرر، كذلك دول الجوار، التي يقتطع ذلك الكيان أجزاء من أرضها.  

 

ليست المشكلة في تفاصيل الصفقة التي تحدث عنها بايدن يوم الجمعة الماضي، والتي لم تختلف في جوهرها عن تلك التي سبقتها، وتنكر لها نتنياهو، فالتناقضات بين طرفي الصفقة جوهرية، وما تقوم به الولايات المتحدة لانجازها مجرد التلاعب بالألفاظ على تلك التناقضات، في إطار دعم مطلق لإسرائيل. يريد بايدن في خطابه الأخير انجاز صفقة مع حركة حماس، وفي نفس الوقت يؤكد انه لا مكان للحركة بعد الحرب، وهو ما ينسجم تماما مع تصريحات نتنياهو الذي أكد لماكرون أن الصفقة ممكن أن تحقق أهداف إسرائيل بإخراج المحتجزين من غزة والقضاء على حركة حماس. لم تبدل الحركة موقفها الجوهري منذ بداية الحرب، تريد انهاء الحرب، انجاز صفقة تبادل شاملة، وانسحاب الاحتلال من غزة، وكلها مطالب منطقية. ويجب أن يقترن ذلك بحل القضية الفلسطينية، وانهاء حالة الاحتلال الأطول والأكثر تعقيدا. بدأت فلسطين بالحصول على اعتراف الدول منذ إعلان الدولة الفلسطينية في العام ١٩٨٨، والذي تزايد تدريجياً حتى وصل اليوم إلى ١٤٧ دولة من مجمل ١٩٤ دولة. كما حصلت فلسطين على اعتراف الأمم المتحدة كدولة غير عضو في العام ٢٠١٢، نالت على إثر ذلك عضوية العديد من المنظمات الدولية وباتت طرف في معاهدات دولية مهمة. إلا أن تلك التطورات السياسية والدبلوماسية والقانونية، التي حققتها فلسطين عبر العقود الماضية لم تحقق الاستقلال للفلسطينيين، ولا يزال الواقع الفلسطيني يرزح تحت حكم احتلال عسكري، لم يتغير فعلياً منذ العام ١٩٦٧. 

 

لاتزال الصفقة الشاملة بعيدة عن التحقق على المدى القصير والبعيد، وفق المعطيات القائمة. فرؤية الاحتلال لإنجاز صفقة تحقق اخراج المحتجزين في غزة والقضاء على حركة حماس والسيطرة الأمنية على غزة، تماماً كسيطرتها على الضفة الغربية، يختلف عن تطلعات حركة حماس لإنجاز صفقة تبادل شاملة، وانسحاب الاحتلال من غزة وإنهاء الحرب. ولا يبدو أن الإسرائيليين مستعدون لإنجاز مثل تلك الصفقة، اذ يتطلعون لإخراج المحتجزين، بينما يدعم غالبيتهم استمرار حرب الابادة على غزة، ويشجعون تمدد الحرب إلى لبنان. كما أن خروج إسرائيل من الحرب الآن، بعد فشلها بإخراج المحتجزين بالقوة، وفشلها بالقضاء على حركة حماس، وتصاعد خسائرها مع جبهة المساندة اللبنانية في الشمال، يعني باختصار هزيمتها، فهل يقبل نتنياهو بهزيمة معلنة؟ لذلك اتمام صفقة مع حكومة برئاسة نتنياهو وتركيبة حكومة اليمينية المتطرفة، وحكومة الحرب الحالية لا يؤشر إلى وجود حسن النوايا في توقيع أية صفقة يجري الحديث عنها الآن، خصوصاً في ظل تضارب التصريحات الأميركية حيناً وغموضها احيناً أخرى. وعليه، ووفقاً لـ غانتس انهم الان إما أمام صفقة أو تصعيد، فالمرجع أن التصعيد سيد الموقف،  وأننا أمام صيف ساخن وتصعيد محتمل. 

 

وبعيدا عن هذه الحرب، تبدو المعضلة الفلسطينية عويصة، تواجه عقبات متشعبة، على رأسها طبيعة العدو، والموقف الأميركي والغربي والعربي. إن المجتمع الإسرائيلي منذ نشأة هذا الكيان مجتمع يقوم على العنف واستخدام القوة وسلب حقوق الفلسطينيين. منذ احتلالها للضفة الغربية وغزة، دشن الاحتلال المشروع الاستيطاني، من خلال حكومة العمل اليسارية، والذي يعني تقويض فرص حصول الفلسطينيين على حريتهم واستقلالهم، فليس التيار اليميني فقط من يؤمن بأهمية الاستيطان، بل واليساري أيضاً. ومنذ ذلك الوقت لم تتبن أياً من الحكومات الاسرائيلية مشروعا يصل لدولة فلسطينية، حتى حكومة رابين التي تبنت مشروع أوسلو، لم توقف المشروع الاستيطاني فعلياً، ولم تشر للدولة الفلسطينية من قريب أو بعيد، معتمدة مقاربة التفاوض. وتكمن المشكلة في هوية الإسرائيليين نفسها، فهؤلاء يعلمون أنهم جسم غريب في المنطقة، ويرفضون الاعتراف بذلك، وينكرون حقوق الفلسطينيين، ولا يستطيعون التعايش معهم، وهم بالفعل فشلوا بالتعايش مع البلدان الغربية التي جاءوا منها، وكان ذلك أحد أهم أسباب خروجهم منها. لذلك يعيش الاسرائيليون في ثوب المستهدف من الفلسطينيين أو العرب في المحيط، لتبرير عنفهم وظلمهم للآخر، وهو ما ينسجم تماما مع هويتهم وشخصيتهم الثقافية، ويؤكد أن فكرة السلام العادل غير واردة في أذهانكم. ويساعد سلطات الاحتلال في تحقيق رؤيتها الولايات المتحدة التي تدعمها بالمطلق، وتضغط على الدول المختلفة للقبول بتطلعات إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، مستخدمة  سلطتها كقوة عظمى بالترهيب والترغيب للضغط على الدول المختلفة لأجل إسرائيل. 

 

ورغم أن المعضلة الفلسطينية عويصة وممتدة إلا أن حرب غزة الأخيرة كشفت العديد من القضايا الإيجابية، التي يمكن الاستثمار في إطارها. فالحرب كشفت أن العالم لم ينس حقيقة القضية الفلسطينية، التي عملت إسرائيل على تزوير تفاصيلها، وها هي الرواية الفلسطينية تسود والحقيقة تسمو فوق جميع الأكاذيب، وبأصوات غربية تعلو من قلب العواصم الغربية بما فيها واشنطن. كشفت هذه الحرب عن واقع احتلال مر يعيشه الفلسطينيون عبر العقود الممتدة، والذي حاول العالم أن يتناساه، فجاءت ملامح الصورة من فلسطين ثاقبة كاشفة فارضة ضرورة لوضع حل لتلك المعضلة على رأس الأولويات، وبات الحديث عن إنهاء الاحتلال أول الشعارات. كشفت هذه الحرب أيضاً أن مشكلة استمرار الاحتلال يمثل المعضلة الحقيقية لعدم استقرار المنطقة، فأعلنت حركة حماس صراحة أن سلاحها لا ضرورة له في حال تحررت البلاد. كما أن الجبهات المساندة في لبنان واليمن والعراق وسوريا، جاءت لدعم ومساندة الفلسطينيين في حرب إبادة، يقف العالم الغربي الرسمي متفرجاً عليها، في موقف مفهوم من التعاطف والدعم. هذه الحرب أكدت للفلسطينيين أنهم لم يهزموا رغم سنوات الاحتلال الطويل، وأن هناك من يحتضن قضيتهم دولاً وشعوباً، وبطرق عديدة، وأن الأمل في الحرية قائم وموجود وممكن، لكن ذلك يتطلب من الفلسطينيين إعادة ترتيب الأوراق،  في هذه اللحظات العصيبة لكنها تحمل الأمل. 

 

 
2024-06-06