الجمعة 12/1/1446 هـ الموافق 19/07/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
نهاية الدولار.. وهمٌ بعيد المنال!

في وقت يتداول فيه عشاق الأخبار المالية المثيرة، موضوع أن الدولار يسير في مسار محتم نحو "كارثة"، يزداد الجدل حول مستقبل العملة الأميركية كعملة عالمية مهيمنة.

فقد زعم أحد المنشورات الحديثة أن الولايات المتحدة، على غرار الإمبراطورية الرومانية من قبلها، أصبحت أضعف مقارنة بالقوى العالمية الأخرى. وأن دور الدولار المركزي في النظام المالي العالمي آخذ في الانخفاض حيث أن "المسؤولين لا يفوتون أي فرصة لتفكيك الرأسمالية شيئًا فشيئًا"، وفق ما نقلت، صحيفة فاينانشال تايمز.

وقالت كاتي مارتن: "هذه هي الحجة .. لقد سمعناها جميعًا لأكثر من عقدين من الزمان وسنسمعها مرة أخرى، ولكن الآن مع إضافة توابل الاتجاهات الجيوسياسية المظلمة، حيث إن تحرك عام 2022 لمعاقبة روسيا على حربها ضد أوكرانيا من خلال تجميد احتياطياتها الدولارية بالخارج يعني أن العديد من الدول قد تتطلع الآن إلى تخزين أموال الطوارئ الخاصة بها بعملات أخرى".

من الممكن أن يحدث جهد عالمي - منسق أو غير منسق - لخفض قيمة الدولار .. وإذا تم تنفيذه على نطاق واسع، فسيؤدي ذلك إلى إلغاء الامتياز الثمين للولايات المتحدة بإصدار الديون بشروطها الخاصة مع العلم بأن السلطات الوطنية الأخرى ستقبل بها بسهولة. وهذا من شأنه أن يغير قواعد اللعبة في الأسواق والتجارة. ولكن الأدلة التي تشير إلى حدوث ذلك بالفعل محدودة في أحسن الأحوال، بحسب مارتن.

انخفاض ولكن ليس انهيارا

بينما يتحدث المتحمسون في مجال الأخبار المالية عن انهيار وشيك للدولار الأميركي، تشير البيانات إلى انخفاض تدريجي في حصته من احتياطيات البنوك المركزية العالمية، ولكنه ليس بالانخفاض الكبير الذي يصوره البعض.

انخفضت نسبة الاحتياطيات العالمية التي تحتفظ بالدولار الأميركي خلال العقود الأخيرة، ووفقًا لصندوق النقد الدولي، شكلت عملة "العم سام" أكثر من 65 بالمئة من الاحتياطيات الرسمية في عام 2016، لكنها تراجعت إلى 58.4 بالمئة بنهاية عام 2023.

في المقابل، ارتفعت نسبة الاحتياطيات المحفوظة بالرنمينبي الصيني بشكل ملحوظ، حيث قفزت بنسبة 188 بالمئة بين عامي 2016 و2023، لكنها لا تزال تمثل نسبة ضئيلة تبلغ 2.3 بالمئة فقط من إجمالي الاحتياطيات العالمية.

تراجع الدولار أم إعادة توزيع؟

يوضح تقرير حديث صادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أن الانخفاض الواضح في الاعتماد على الدولار لا يعكس بالضرورة تحولًا عالميًا بعيدًا عنه. وبدلاً من ذلك، يعزى هذا التحول إلى عدد قليل من الدول، بما في ذلك سويسرا، التي تراكمت لديها كميات كبيرة من اليورو منذ أكثر من عقد بسبب جهودها طويلة الأمد لكبح سعر صرف الفرنك.

يؤكد اقتصاديو بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك على أنه "بين عامي 2015 و2021، ارتفعت نسبة الاحتفاظ بالدولار الأميركي لدى 31 دولة من أصل 55 دولة تتوفر بيانات عنها"، مضيفا إن انخفاض تفضيل الدولار لدى مجموعة صغيرة من الدول - ولا سيما الصين والهند وروسيا وتركيا - والزيادة الكبيرة في كمية الاحتياطيات التي تحتفظ بها سويسرا، تفسر معظم انخفاض حصة الدولار الإجمالية في الاحتياطيات العالمية.

الذهب.. بديل محدود

في الوقت نفسه، عززت البنوك المركزية عالميًا مشتريات الذهب على ما يبدو لتجنب مخاطر العقوبات، حيث لا يخضع الذهب لسيطرة أي سلطة وطنية.

ومع ذلك، وحتى بعد الزيادة السريعة في مشتريات الذهب خلال عامي 2022 و2023، لا يزال المعدن النفيس يشكل نسبة متواضعة تبلغ حوالي 10 بالمئة من إجمالي الاحتياطيات العالمية.

الخلاصة.. ينتقد تقرير بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، سردية انخفاض حصة الدولار وارتفاع دور الذهب، ويصفها بأنها "تعميم غير مناسب لتصرفات مجموعة صغيرة من الدول".

وإنصافًا لمطلقي تحذيرات انهيار الدولار (الذين يتشابهون إلى حد كبير مع عشاق الذهب والمهتمين بالعملات الرقمية)، يبدو أن حيازات الذهب تتجه نحو المزيد من الارتفاع.

أفاد استطلاع أجرته مجموعة "منتدى المعاهد النقدية والمالية الرسمية" بين مديري الاحتياطيات أنهم على الرغم من ارتفاع أسعار الذهب القياسي وانخفاض التضخم العالمي الذي يُنظر إلى الذهب على أنه تحوط منه، فإن مديري الاحتياطيات حريصون على زيادة حيازاتهم من المعدن النفيس.

عملة العم سام لا تزال قوية

على الرغم من الحديث المتزايد عن تراجع دور الدولار الأميركي، إلا أن الطلب عليه لا يزال قويًا للغاية.

فقد أظهر استطلاع حديث شمل 73 بنكًا مركزيًا يديرون احتياطيات تقدر بـ 5.4 تريليون دولار أميركي، وجد أن 18 بالمئة منها تعتزم زيادة استثماراتها في الدولار، وذلك بسبب ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وقوة اقتصادها.

يأتي اليورو في المرتبة الثانية كعملة مفضلة للاحتياطيات، مما يشير إلى رغبة مديري الاحتياط في الالتزام بالعملات الكبرى الأكثر سيولة.

في المقابل، انخفضت الرغبة في حيازة الرنمينبي الصيني بشكل ملحوظ، حيث يعتزم 12 بالمئة من مديري الاحتياط تخفيض حيازاتهم منه. يمثل هذا تحولًا كبيرًا مقارنة بعامي 2021 و 2022، حيث كان حوالي ثلثهم يخططون لزيادة استثماراتهم في العملة الصينية.

وذكر تقرير المعهد البحثي أن "هذا يعود جزئياً إلى تشاؤم نسبي بشأن الوضع الاقتصادي الصيني على المدى القريب، كما أشارت الغالبية العظمى أيضًا إلى عدم شفافية السوق والسياسة الدولية كعوامل رادعة".

لا شيء يدوم إلى الأبد

على الرغم من قوة الطلب الحالية، لا يمكن استبعاد إمكانية تراجع مكانة الدولار على المدى الطويل، وذلك في ظل المناخ السياسي الحالي، والذي قد يؤدي إلى تدهور قدرة المؤسسات الأميركية على الصمود، مما يشكل تهديدًا جديًا لهيمنة ومكانة الدولار على المدى الطويل، ولكن تمامًا كما كان من السابق لأوانه إعلان نهاية هيمنة الدولار في النظام المالي العالمي قبل عقدين، فإنه لا يزال من المبكر الجزم بذلك الآن.

حركة التاريخ لن تتوقف

من جانبه، يرى مازن سلهب، كبير استراتيجي الأسواق – BDSwiss MENA، في حديث لسكاي نيوز، أن هناك حقيقة لابد من ذكرها وهي أن نسبة الدولار الأميركي فعلاً تتراجع في احتياطات النقد الأجنبي عالمياً، موضحا أن هذه النسبة كانت قريبة من 66 بالمئة في 2014 وحالياً هي عند 58 بالمئة.

"تاريخياً ارتفعت هذه النسبة منذ ثمانينات القرن الماضي وكانت عند 58 بالمئة تقريباً ووصلت 70 بالمئة في عام 2000 قبل أن تصل في 2020 الى 59 بالمئة"، بحسب سلهب، الذي لفت أيضا إلى وضع الجنيه الإسترليني تاريخيا.. حيث كان يشكل 69 بالمئة من احتياطات النقد الأجنبي عالمياً في عام 1940، وهذا يعني أن حركة التاريخ لن تتوقف حتى في حالة أميركا

لكن سلهب شدد على أن عن أفول شمس الدولار يعد تمنيات أكثر من كونها واقع، خاصةً من خصوم أميركا التجاريين والسياسيين وفي مقدمتهم الصين، مضيفا أن نسبة اليوان حالياً وصلت فقط الى 2.5 بالمئة في احتياطات النقد الأجنبي وكانت عند الصفر في بداية القرن الواحد والعشرين.

وقال مازن سلهب، كبير استراتيجي الأسواق – BDSwiss MENA في حديث خاص لسكاي نيوز عربية، إن ما يجعلنا نعتقد أن هيمنة الدولار لن تتراجع ببساطة أو بسرعة ويلزمها تغيير جذري يعود للعوامل التالية:

البنية التحتية لنظام التحويلات الدولية ونظام سويفت

ديون أميركا للعالم

هيمنة أميركا على القرار العالمي عسكرياً واقتصادياً

تشعب أميركا في كل تفاصيل المؤسسات المالية الدولية ( البنك الدولي، صندوق النقد الدولي )

طبيعة الرأسمالية الأميركية

وتابع قائلا: "هناك تحديات قصيرة وطويلة الأجل وهي مرتبطة بالتوسع الصيني والكلام عن اعتماد عملات أخرى في تسعير النفط لكن حتى الصين نفسها تعرف أنه تبنيها لمعايير الرأسمالية الاقتصادية الأميركية هو ما أوصلها إلى ما هي عليه وليس النيات الاشتراكية. أميركا تعرف تماماً هذه التحديات لكن الكلام عن خسارة هذه الميزة الأميركية (الدولار كواحد من أهم أصول أميركا السيادية وأدواتها ) لن يكون حتى قابلاً للنقاش لأنه يعني قبول أميركا ببدء انتهاء عصرها وهذا بعيد حالياً".

2024-06-15