الجمعة 12/1/1446 هـ الموافق 19/07/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مراقبون إسرائيليون: رفض نتنياهو للصفقة مرة أخرى بمثابة قنبلة نووية علينا.. والحرب مع “حزب الله” تهديد وجودي

يؤكد عوفر شيلح، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، والنائب والصحفي البارز سابقاً، أن إسرائيل لا تتعلم من تجاربها، ويقول إن حرب “الجرف الصامد”، في ذكراها العاشرة، تتكرر في الحرب الحالية على غزة، محذراً من الجري خلف “وهم النصر المطلق”.

 ويقول شيلح، في مقال نشره موقع القناة 12 العبرية، إن الذكرى العاشرة على بداية عملية “الجرف الصامد” (“العصف المأكول”، وفقاً لحركة “حماس”، و”البنيان المرصوص”، وفقاً لـ “الجهاد الإسلامي”)، صادفت أمس الإثنين، لافتاً لكونها العملية العسكرية الأطول لإسرائيل بين جولات القتال في غزة، منذ فك الارتباط عن القطاع، وحتى الحرب الحالية. 

كما يستذكر شيلح أن “الجرف الصامد” استمرت 51 يوماً من القتال، وقتل فيها 70 جندياً و5 مدنيين. ويقول إنها تبدو لا شيء، مقارنةً بعملية “السيوف الحديدية” (طوفان الأقصى)، لكن عند الفحص عن قُرب للأحداث التي أدت إلى هذه العملية، وما جرى خلالها، يمكن فهم ما يجري هنا، خلال الأشهر التسعة الأخيرة.

ويقول أيضاً إن عبارة “مَن لا يتعلّم من التاريخ، فإنه يحكم على نفسه بأن يعيد التاريخ نفسه، تنطبق كثيراً على إسرائيل (وهذه ليست المرة الأولى). لم نتعلم من التاريخ، ولم نتعلم من أن ما حدث على نطاق صغير، يمكن أن يحدث على نطاق أكبر بعشرات المرات”. ويرى أنه رغم الدلائل الواضحة على نشوب جولة عنف طويلة، عاجلاً أم آجلاً،  فإن إسرائيل والجيش وصلا إلى عملية “الجرف الصامد” من دون استعداد، لم يكن هناك سياسة بشأن غزة، باستثناء “الستاتيكو” وعدم اتخاذ القرارات.

ويضيف، مستعيداً الإخفاقات السابقة: “جاء في تقرير مراقب الدولة، بشأن أداء المجلس الوزاري المصغر خلال عملية “الجرف الصامد”، أن المجلس اجتمع خلال سنة ونصف السنة مرة واحدة، تحديداً لمناقشة السياسة إزاء غزة. أنا أعرف هذا النقاش، لم يحدث خلاله أي شيء. والمجلس الوزاري المصغر لنتنياهو كان من الذهب الصافي، حينها، مقارنةً بالمجلس الوزاري اليوم”.

الاستخبارات المفقودة

أما بالنسبة إلى الاستخبارات، فيرى شيلح أن كل شيء تكرر بصورة مخيفة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، كما حصل عام 2014: المعرفة الوثيقة بأن “حماس” تخطط لشن هجوم على منطقة كرم أبو سالم تُرجمت إلى حالة تأهب ونشر قوات في هذه المنطقة فقط، رغم أنه كان واضحاً أن “حماس” لديها عدد كبير من الأنفاق. لم يؤخذ في الحسبان، بوضوح، ما نعرفه، وما لا نعرفه: لم يكن لدينا استخبارات دقيقة بشأن عدد الأنفاق التي تصل إلى الأراضي الإسرائيلية، وفتحات الخروج منها، كذلك الوضع الإشكالي للمعلومات المتعلقة بنيات القيادة العسكرية لـ “حماس”، والتوجيهات التي وجهتها إلى الميدان. ورغم التحذيرات من استعدادات “حماس” للقيام بهجوم كبير، وتأثيره المحتمل في الضغط الذي تمارسه الحركة في الضفة الغربية، فإن أغلبية قوات الجيش الإسرائيلي، بينها ألوية سلاح المشاة، كانت منتشرة في أنحاء الضفة الغربية، وتبحث عن الشبان الإسرائيليين الثلاثة الذين عُثر عليهم مقتولين. كما أن بقية الجيش أيضاً لم تكن مستعدة للمهمة التي طُلبت منها في النهاية.

 ويمضي في انتقاداته: “ورغم تعريف نتنياهو للأنفاق بأنها “تهديدٌ إستراتيجي”، فإن هذا لم يُترجم في الميدان. عملياً، أُرسل الجيش إلى مهمة أقل إثارةً للشكوك (تدمير الأنفاق التي عادت من جديد، بعد أشهر من العملية). ومن دون استخبارات نوعية، ووسائل قتال مناسبة (التي جرى شراء معظمها خلال العملية من السوق المدنية)، ومن دون عقيدة قتالية (لم يكن في الجيش الإسرائيلي كله نموذج عن نفق في غزة للتدرب عليه)، ومن دون إعداد وحدات للمهمة”.

كذلك، يوضح أن تخطيط الجيش لم يتضمن خداعاً، أو جدولاً زمنياً حقيقياً “لدى بدء العملية البرية، قال وزير الدفاع موشيه يعالون إنها ستستغرق 48 ساعة، وعملياً، استمرت 17 يوماً تقريباً، ولم يكن هناك هدف حقيقي لتغيير الوضع”.

أهداف غير واضحة وحسابات فئوية

وضمن لائحة اتهامه للقيادة السياسية والعسكرية، يشير شيلح إلى أنه قبل التصعيد، لم تكن أهداف القتال واضحة، وكذلك ماهية صورة نهايته المطلوبة، ومثل اليوم، لم يكن هناك رؤية بشأن “اليوم الآخر”.

ويتابع: “انتقلت المنظومة من قرار عملاني محلي إلى آخر، والفارق الوحيد، حينها، أن كل ما كانت تريده إسرائيل هو انتهاء القتال، لقد وافقت على وقف النار أكثر من مرة، وكانت تقديرات الاستخبارات العسكرية أن العدو المهزوم سيقبل الاتفاق ويوقف القتال، وفقط “حماس” رفضت، لأنها لم تفهم التلميح، بينما اليوم، ما يريده ويفعله نتنياهو هو أن تستمر الحرب”.

ويمضي شيلح في المقارنة: “إذا كان كل ما قيل، حتى الآن، يبدو معروفاً، فهذا لأنه لم يتغير شيء كثير منذ ذلك الحين: لا يوجد حوار حقيقي بين المستويَين السياسي والعسكري في إسرائيل، بل تبادُل للكلام دون محاولة تفكير مشترك. من الخارج، يبدو المشهد مختلفاً: قبل عشرة أعوام، لم يخطر في بال أحد مهاجمة قائد الجيش داخل “الكابينيت”، والتلميح إلى نظريات المؤامرة. لا توجد نية حقيقية بشأن فحص الواقع والتوصل إلى قرارات مناسبة، لكن رغبة كل طرف من الأطراف في المحافظة على نفسه لم تتغير.

أوهام النصر

طبقاً لشيلح، ظهر خلال عملية “الجرف الصامد” العرض المشهور الذي أعده وقدمه الجيش (وقام المستوى السياسي بتسريبه)، ومفاده أن احتلال غزة سيكلف مئات القتلى، وهو ما سمح لنتنياهو بأن يُظهر أن الجيش لم يسمح له بالانتصار، وسمح للجيش بعدم قبول مهمة لم يكن يرغب في تنفيذها فعلاً. ويضيف: “هذه المرة، الوضع أخطر كثيراً: يتطلع نتنياهو، لأسباب تتعلق ببقائه السياسي والشخصي، إلى إطالة أمد القتال أطول مدة ممكنة، والجيش يعلم بأن الوقت لا يعمل لمصلحة “النصر المطلق” الذي يُعتبر وهماً، وهذا ما يتيح له المماطلة، فمن دون ذلك سيحين وقت الحساب على تقصيرات 7 تشرين الأول/أكتوبر، وهو يحاول نشر أساطير عن نجاح الضغط العسكري في وسائل الإعلام، من خلال الناطقين بلسانه”. 

هناك أمر آخر لم يتغير، برأي شيلح، وهو الروايات التي نرويها لأنفسنا عن النصر، حتى لو لم يكن مطلقاً: في عملية “الجرف الصامد” كان هناك ظاهرة القصف العنيف، وتدمير المنازل (الأبراج في غزة)، وطبعاً، اغتيال مسؤولين كبار. كل هذا كان يجب أن يؤدي إلى تركيع “حماس” وإجبارها على إنهاء القتال. اليوم، يدّعي عددٌ غير قليل أنه، في سنة 2014، زُرعت في ذهن السنوار (الذي لم يكن زعيماً لـ”حماس” آنذاك) الفكرة التي أدّت إلى 7 أكتوبر.

بديل “حماس”

وضمن مقارناته، يشير شيلح لغياب كامل لتحرك سياسي يغير الصورة فعلاً، لافتاً إلى أن تسيبي ليفني، وزيرة القضاء آنذاك، تروي اليوم أن كل الأفكار المطروحة حالياً، والمتعلقة بتدخل عربي ودولي كبديل من حُكم “حماس”، طُرحت في ذلك الوقت، لكن نتنياهو رفضها.

ويستذكر شيلح ما ورد ضمن كتابه “الشجاعة للانتصار”، الصادر في نيسان/ أبريل 2023، الذي خصص جزءاً منه لما تعلّمه كعضو في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست خلال التحقيق في “الجرف الصامد”.

يوضح: “قلت، في مقابلة أجرتها معي صحيفة “هآرتس”، قبل 7 أكتوبر بشهور، إن الأمر الأشد خطورة هو عدم وجود عملية سياسية مكملة، ومن دونها، ستبقى العملية العسكرية من دون إنجازات حقيقية.

رَفْض نتنياهو المبادرة إلى تحرك إقليمي يحقق مصلحة إسرائيل في كبح “حماس” ونزع السلاح من غزة، في مقابل إعادة إعمارها، سيخلق وضعاً يعيدنا إلى نقطة البداية: ستستعيد “حماس” قوتها. وإذا لم يحدث تغيير، فإن موعد الجولة المقبلة لا يعدو كونه مسألة وقت،

وستكون أخطر كثيراً من عملية “الجرف الصامد”.

ويخلص شيلح للقول: “القصة ليست رؤية تشاؤمية تحققت بالكامل في تشرين الأول/أكتوبر 2023، بل القصة أنه من الواضح أننا  لم نتعلم شيئاً منذ ذلك الوقت”.

قنبلة نووية 

ويتقاطع شيلح مع الجنرال في الاحتياط يتسحاق بريك، المعروف إسرائيلياً بـ “نبي الغضب”، بأنه إذا رفض نتنياهو الصفقة مرة أُخرى، فكأنه ألقى قنبلة نووية علينا، محذراً من أن حرباً مع “حزب الله” الآن تنطوي على تهديد وجودي حقيقي على إسرائيل.

في مقال نشرته “هآرتس” أمس، قال بريك: “إنها أيام مصيرية. إذا رفض نتنياهو الصفقة مع “حماس” هذه المرة أيضاً، فسنفقد المخطوفين إلى الأبد، ونكون على حافة حرب إقليمية سيسقط فيها ضحايا كثر، وتدمر كل شيء جيد، وتكون بمثابة قنبلة نووية من دون الغبار الإشعاعي. لا نزال نقاتل في القطاع، ونقتحم المناطق نفسها التي احتللْناها، المرة تلو الأُخرى؛ اقتحامات من دون أي هدف، ندفع ثمنها دماءً غالية. الجيش ما زال ينجح في تدمير المباني فوق الأرض، لكنه لا يستطيع كبح “حماس” التي تمكث داخل الأنفاق، وعادت إلى حجمها الذي كانت عليه ما قبل الحرب، وجنّدت شباناً جدداً مكان القتلى.

وكالات

2024-07-09