الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ظاهرة التطبيل....بقلم إيناس زيادة

إن كنتم من ضعاف القلوب فأرجو عدم القراءة.

 

في شهر الرحمة، الذي خلا من استعراضات السحور هذا العام، وكان حكم القوي الضئيل على مصطنع القوة الكبير.

راق للعباد في باب العبادة بعد اتمام الصلوات، الاجتماع على المنصات لقرع الطبول. 

في بلاد العم قحطان، ثورات جياع تجتاح البلاد، ووباء يفتك بالكبير قبل الصغير، وفيروسات تصول وتجول وتدلي بدلوها في كل صغيرة وكبيرة.

في السياسة كلهم يفقهون وفي الأدب كلهم مثقفون وفي الفن كلهم نقاد. ويا ويل من أجمعوا عليه إذ يتسابقون لكيل الاتهامات المتطابقة دونما أدنى تفكير. 

ولأنهم في بيوتهم، عاشوا داخل فضاء افتراضي من رسم خيالهم وذممهم الواسعة.

 رغم محبتي للإيقاع، إلا أنني أمقت التطبيل. ولم أشأ الدخول في لعبة التطبيل باكرا، إذ ارتأيت الإنتظار لسماع ما يجري هنا وهناك والاطلاع على التطورات الفيروسية.

ويحدث ان يأتي عمل يحدث جلبة وآخر يتسبب بمعركة، وتهمتهما التطبيع والتهيئة لصفقة قرنية. وليس لنشأتي الخليجية أو لعملي في الخليج شأن فيما ذهب إليه ذهني العليل.

كانت حياة تخطو خطواتها الأولى عندما قرروا وأدها ورأوا أنها تبدأ فتنة غايتها تمرير رسالة تدعو للتعاطف مع أبناء داوود.  رسالة قرأوها من عنوانها واكتفوا بأن المكتوب يقرأ من عنوانه.  لن أتحدث عن محتوى المكتوب، بل أتركه لحكم من قرأوه كاملاً، وليقرروا حسب قدراتهم الذهنية.   لم يطل هذه الفتاة سوى قرع طبول من هنا وهناك، وكبرت لتصبح أما لهارون رغم أنف من استلوا سيوفهم لقتلها منذ أيامها الأولى. وفي هذا العمل تحديدا، كنت أظن أن الاحتجاج سيأتي من أبناء العم وليس من الأشقاء، لأن العمل تعرض لخبثهم ومكائدهم وحقدهم ومؤامراتهم، لكن يبدو أن هذا هو المرفوض.

غريبة هي تلك المشاعر التي تحرك أبناء هذا العالم العربي المنقسم.  فالثورة على العمل هذا جاءت من دول هي الأولى في توقيع معاهدات سلام وسباقة في التطبيع، إذ لا يتواجد أبناء العم بشكل علني إلا فيها، ومطاراتها مفتوحة لهم لتستقبلهم أو تسهل لهم السفر إلى دول لا يصلها طيرانهم.  هذه الشخصية الشيزوفرينية لا أستطيع استيعابها، ولا أستطيع أيضاً فهم حالة النكران التي نعيش بها.  نعم كان هناك يهود في دولنا حتى وقت قريب، ومازال هناك بعض منهم في هذه الدول المتمنعة.  فمن يسعه أن ينكر أن ليلى مراد مصرية، أو أن باولا عبدول سورية أو أن صالح الكويتي هو كويتي بالفعل. 

في بلاد العم قحطان فقط، تطرب الشعوب على أغاني الثورة، فتراهم يتراقصون على "راجع راجع يتعمر لبنان" و"بيلا تشاو" في البارات ويرفعون كأسهم أسفاً على سقوط مرسي ويسكرون حزناً على انهيار الأمة الإسلامية. 

إلى حد كبير، أعتقد أن المشكلة تكمن بمشاعر لا أود تسميتها، لكنها لا شك تسيطر على بعض العرب تجاه بعضهم الآخر.  جاء هذا العمل الخليجي فأحدث زوبعة،  بينما مر مثل ذلك العمل دونما اكتراث عندما "حدث في دمشق"، فسلاف يليق بها ما لا يليق بحياة.  هل غضبكم سببه أنكم لا تريدون شريكاً لكم في التطبيع.  

عموماً، أعتقد أن القضية تطول ولا بد لنا من بحث مسألة التطبيع على فنجان قهوة قوية في ستاربكس الأبية، علنا نساهم في صنع السلام بأقلامنا السليطة. أجزم أن هذه الأقلام لو تم توجيهها لخير البشر ولمقاومة الشر باللسان، وهو أضعف الإيمان، عوضاً عن الإساءة لهذا أو ذاك، وتعرية الإنتقاد من مضمونه باستهداف شخص الفنان، لكنا في مكانة أفضل.  إذ أن السمو في الأخلاق والمشاعر هما أساس النفسية السوية.  فلا يجوز أن أعاير من يخالفني الرأي بشكله أو وضعه الإجتماعي أو حتى مظهره.  هذه أخلاق مكتسبة ومرتعها منصات التواصل التي غذت ظاهرة التهكم وازدراء الآخر. 

لفتني مقال لأحد الأصدقاء، وهو أستاذ جامعي، تحدث فيه عن سنوات ماضية من تدريسه الجامعي في العراق.  إذ استذكر أحد طلبته المجتهدين والذي كان اسمه يعقوب، فكان يمتدح اجتهاده وتفوقه أمام الطلبة الآخرين، إلى أن جاءه طالب لينبهه أن ما يقوم به غير مناسب، لأنه بذلك يفضل يهودي على بقية الطلبة، فما كان من الأستاذ إلا أن سأله:  هل أنت من المخابرات؟

أعمل في الوسط الإعلامي، لكنني لا أمارس الصحافة، فهي لا تشبهني أبدا، إذ أن كلمتي يحتكرها رأيي ولا أستطيع أن أتحدث بلسان غيري.  محزن جداً ما آلت إليه أقلام الرأي، فهي تحولت بقدرة قادر إلى طبول وربما أبواق لإثبات ولاءات مصلحية.    

والآن سأدعكم لمتابعة سيمفونية الطبول والاستمتاع بصحبة فيروسات غير كورونية.

2020-05-15