دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 7/3/1440 هـ الموافق 16/11/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
فعالية التظاهر بين الحق والواجب/ محمد عزت الشريف
فعالية التظاهر بين الحق والواجب/ محمد عزت الشريف

  *** في بلدٍ ليس لديه آلية واضحة للتبليغ عن المظالم والتعبير عن الرأي تبرز أهمية فعالية التظاهر كحاجة وكضرورة. و يكون التظاهر حقّاً مشروعاً لصاحب هذه الحاجة وتلكم الضرورة . وعندما تكون المظالم عامةً، وغياب الحرية في التعبير عن الرأي سائداً تبرز فعالية التظاهر هنا كواجب على القادر على التظاهر تجاه المظلوم المكبوت غير القادر ؛ خاصةً عندما يكونُ نظامُ الحكمِ فارضاً على البلاد وصفاً و تصنيفاً " كدولةٍ للخوف".

أمّا تنظيم حالة التظاهر فلا نعلم في كل تشريعات الأرض الحكيمة ولا تشريعات السماء ـ لا نعلم أيّ إجراءات لتنظيم حالات التظاهر التي هي أحوال وجدانية فطرية تلقائية مفاجئة، أقرب إلى (لاـ وعي) الإنسان من وعيه.. حتى القرآن الكريم كان حكيماً و استثنى مظاهر التعبير عن الغضب الصادر عن الشخص الشاعر بالظلم المعبر عن المظلومية ـ استثناها بآياتٍ كريماتٍ مُحْكَمات من بينها هذا النصّ الكريم : " لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا" عجباً أنّ الربّ المعبود يُقِرُّ وجود ظلم على الأرض بين البشر، و يُقَدّر حالة الغضب ومظاهر التعبير عنه ـ في الوقت الذي تُنكِرُ فيه حكوماتُ الأرضِ الظلمَ، و تتجاهل وجودَه، وتتنكر لحالات الغضب المترتبة عليه، و لا يتسع صدرها لمظاهر التعبير عنه..!!

بل تلجأ بعض الحكومات المستبدة إلى مُشَرِّعيها الخصوصيين لتشريع العقوبات الرادعة لهؤلاء المتظاهرين المعبرين عن الغضب الناجم عن الشعور بالظلم؛ أو أولئك الذين لديهم أراء مفيدة للمجتمع و يبغون طرحها، ونشرها على العامة من الناس وعلى الرعاة، والمسؤولين، و أُلي الأمر. و أعجب أنْ تفكّرَ تلك الحكوماتُ في أنَّ الغضبَ يمكن تنظيمه و أخذ تصريح مُسَبّق به !. بل والأعجب.. أنَّ الجهةَ التي حدّدها القانون لغرض اللجوء إليها لإستصدار تصريح بالغضب هي هي نفسها الجهة المغضوب عليها من الفسدَةِ المُفتَرَضين و الظَلَمَةِ الضالين. نعم .. عجب العجب !!

أنْ ينص قانون تنظيم التظاهرعلى أن يلجأ الغاضب إلى المغضوب عليه ليمنحه تصريحاً بالغضب عليه !!

تصريحاً مشروطاً و محدّدا بمكان وزمان و حجم الغضب !!!

وإلّا ... فالبديل هو: العقوبات التي تلاحق المتظاهرين المعبرين عن غضبهم بالدخان و البارود و الحديد و النار .. حقّاً.. أيّ عجب !!

أيّ عجبٍ أنَّ .. النيران التي أجّلها الله للظالمِ في الآخرة عجّلها الظالم للمظلوم في الدنيا !! ***