دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
إبداع تحتفي بمَدينة الرّيح!/ آمال عوّاد رضوان

إبداع؛ رابطة الفنّانين التشكيليّين العرب في كفرياسيف، أقامت ندوة أدبية، حول رواية مدينة الريح للروائية فاطمة ذياب، في جاليري إبداع؛ صالة العرض للفنون بجانب المركز الثقافيّ البلديّ كفرياسيف، وذلك  يوم السبت الموافق 29-6-2013، وسط لفيف من الحضور المثقف ومن أدباء وشعراء وأصدقاء، وقد تولّى عرافة الندوة الأستاذ عبد الخالق أسدي، عضو إدارة إبداع، وشارك في الحديث عن الرواية كلّ مِن: د. بطرس دلة، ود. منير توما، ود. شكري عبد، والأديب ناجي ظاهر، والكاتبة سعاد قرمان، وكلمة الشاعر سعود الأسدي ألقتها بالنيابة عنه الشاعرة سعاد قرمان، وقد أشاد المُتحدّثون بالسيرة الروائيّةِ، والمحطّات والقضايا التي تناولتها ومِن عدّة زوايا، تعكس الواقع الحياتيّ في بلداننا العربيّة، وبتركيز خاصٍّ على المرأة، ونظرة المجتمع لها وتعامله معها. ثمّ ختمت الكاتبة فاطمة اللقاء بكلمة شكر وإجمال، وتمّ التقاط الصّور التذكارية.
جاء في كلمة د. بطرس دلة: الكاتبة فاطمة ذياب صاحبة هذه الرواية هي كاتبة غزيرة الإنتاج، فقد كتبت الكثير، وكُتب عنها الكثير أيضًا، وهي بهذه الرواية إنّما تحاول أن تستجمع سيرتها الشخصيّة، ولكن بذكاء خاصٍّ وبلغة مميّزة ترتفع بها الى مصاف الوجدانيّات، من خلال السّرد الّذي يبدو لأوّل وهلة بلغة فنيّة رائعة، مع تحليق في عالم اللغة والتعابير الجميلة، حتى لتقنع القارئ الكريم أنّها إنما تكتب بلغة خاصّة، تُميّزها ككاتبة لها خبرة كبيرة في الكتابة، لأنّها كانت تعمل في إحدى الصّحف المحليّة، الأمر الذي صقل لغتها، فباتت متميّزة وسلسة الانقياد.
هذه الرواية هي عبارة عن سيرة ذاتيّة، أو كشف للذّات أمام جمهور القرّاء، ولكن ليس بالأسلوب المباشر المعروف، إنّها إذ تخرج عن صمتها فيما يخصّ حياتها الشخصيّة، وتكشف أسرار حياتها وخصوصيّاتها لأوّل مرة، فإنّها إنّما تحاول أن تكشف ذاتها، وما يَعتمل في داخلها وفي نفسيّتها من قضايا تهمّ الإنسان العربيَ الفلسطينيَ أوّلا، ثمّ تهمّ المرأة العربيّة ثانيًا، وتهمّ المرأة كإنسان لها مشاعرها، ولها طموحاتها، ولها فشلها ونجاحاتها، وكلّ ما يمكن أن يؤثّر على عواطفها كامرأة!
ولمّا كان مجتمعنا العربيّ مجتمعًا ذكوريّا يكبت المرأة، ويُحدّد حرّيّتها، ويفرض عليها سلطة الزّوج بعد الأب، ثمّ الأخ الأكبر والأعمام والأخوال وحتى المختار، فإنّها في هذه الرواية تبدو امرأة قويّة، صعبة الشكيمة، مُتحرّرةً من قيود العيب الذي تتحدّث عنه الجارات، إذ تطرد المرأة الجارة الثرثارة من بيتها، لأنّها تتدخل في خصوصيّاتها.
فالقارئ لهذه الرواية سيجد نفسه إزاء امرأة غير عاديّة، امرأة جرّدت ذاتها من التزاماتها العائليّة، وخرجت إلى الناس تحمل سيرتها وهمومها وهواجسها، وتبثّها بكلّ جرأة وصراحة، علّها تكون درسًا للآخرين وللأخريات، درسًا يتعلّم منه الجميع كيف يكبرون سنًّا ومعرفة ومُعاناة، ولكن بدون خنوع أو خضوع، يكبرون سنًّا ويكبرون فكرًا بشكل مقنع.
إنّها تكتب بطريقة جديدة، فيها الكثير من الجَمال والتشويق، بحيث لا يستطيع القارئ أن يضع الكتاب جانبًا، إلّا بعد أن يأتي على نهايته، ثم يصمت مُفكّرًا في كيفية تعامل هذه الكاتبة مع الأحداث التي عايشتها، وكيف خرجت من دوامة الملاحقات النسائيّة، وإصرار الأهل والأخوات وحتى الجارات على أمور لا ولم تحتملها، لأنّ فيها تدخّلًا في شؤونها الخاصّة. وبانتهاء القراءة يجد القارئ نفسه إزاء نهاية، ولكن من غير نهاية، لأنه سيظلّ لديه السؤال الذي لم تجب عليه الكاتبة: ثمّ ماذا بعد العودة إلى مسقط رأسها، إلى مدينتها، إلى مدينة الريح طمرة التي تحبها حُبًّا جمًّا؟ ثمّ ماذا بعد العودة؟ هل تتوقف الحياة؟ وهل تغيّر مهنتها التي امتهنتها طوال سنوات عديدة؟ هل تتوقّف الحياة هنا؟ وهل تعود الكاتبة بطلة هذه الرواية، وهي تتحدّث عن الذات، والتي أطلقت عليها أكثر مَن تَسمِية، فهي دبدوبة، وهي "أيّتها الأنثى". فلماذا تركت القارئ المتلهّف إلى المزيد، يعيش في دوّامة من الأفكار التي طرحتها، وكأنّها لا تملك الإجابة على كلّ الأسئلة، مع أنّها كانت من خلال السرد، موفّقة جدًّا في إقناعنا بعدالة وصحّة مواقفها في الكثير من الحالات.
إنّها تكتب لترسم شخصيّتها على سجيّتها، ولكن بدون رتوش أو مكيجة إن صحّ هذا التعبير. إنّها تعلن ثورتها على المجتمع الذكوريّ، الذي يَحرم الأنثى الكثير من حقوقها، وتعلن ثورتها على سلطة الأب مع احترامها الشديد له فهو السيّد والزوج، هو السيّد الجديد، والأولاد سيكونون الأسياد فيما بعد، وتبقى الأنثى قابعة في إحدى زوايا البيت، ليس لها مَن يُخرجها من ذلك السجن غير المُحبّب، السجن الذي تلوكه الجارات وتفضحه الأحداث، والذي يعيش على الثرثرة والقيل والقال التي لا آخر لها.
أبواب الرواية :يبدو أنّ الكاتبة لم تبحث عن عناوين خاصّة بكلّ فصل أو باب كما أبواب هذه الرواية، ولذلك اكتفت بذكر رقم الباب كقولها الباب الأوّل، والحادي والعشرون، وهلم جرّا، مع أنّ كلّ باب من الواحد والعشرين بابًا له موضوعه، ولا يرتبط بالأبواب الأخرى.
ما قدّرناه في هذا المجال، أنّ الكاتبة ليست من النوع الذي يهتم يتنميق كتاباتها، بل تهتمّ بالأمور على بساطتها، ولكنّها وبلغتها الرائعة تعوّض عن هذا الإهمال، أو لنُسَمِّهِ اللّامبالاة بنصوص ممتازة، فيها الكثير من الذكاء، وفلسفة الحياة، وخلع مصطلحات جديدة جميلة تزيد النصوص روعة وتشويقا. هكذا ظهرت الأبواب الأولى مليئة بكلّ جديد، إلّا أنّها في الأبواب الأخيرة، لجأت إلى حديث الذات، وإلى البكاء على الذات التي حطمتها الأيّام، ولكن بغير دموع، هكذا كثرت التعابير الجميلة الأخّاذة في الأبواب الأولى، بينما اختفت في الأبواب الأخيرة إلّا القليل منها، فهل هو التعب والإرهاق من الكتابة، ليأتي هذا التراخي الذي لمسناه عند النهاية؟ ومع أنّها حاولت أن تُكفّن هذه النهاية بوطنيّة خاصّة، وبإعلان مَحبّتها لمدينتها مدينة الريح طمرة، إلّا أنّ ذلك لا يُفسّر هذا التراخي .وأنا كقارئ كنت أتوقع نهاية غير هذه النهاية المبهمة، كنت أتوقع ذروة جديدة، وقوّة في السبك تُفَوّت ما اكتشفناه فيما كتبت.
لنأخذ أمثلة ممّا وجدناه في الفصول/ الأبواب الأولى للدلالة على ما ذكرنا :ففي الباب الأوّل تتحدّث عن أخواتها الكثيرات بلغة الكنافيش، أي أنّ كلّ واحدة من أخواتها هي كنفوشة، وكنفوشة هي مفرد كنافيش، ولها ثماني كنفوشات هنّ رصيدُ والديْها. فالوالد المختار هو السيّد المطاع في القرية، قبل أن تتحوّل إلى مدينة، ومن ثمّ بعد تحوّلها إلى مدينة، تمّ اختياره رئيسًا لمجلسها المحلّيّ. 
لا تنسى المؤلفة كيف طلبت منها والدتها أن تذهب بصينية المحمّر وعليها البطاطس وفرّوجان، وكيف ملأت أنفها رائحة الفرّوجيْن المُحمّريْن، وعادت إلى البيت بدون الفرّوجيْن، والضيوف ينتظرون وجبة الغذاء! غضب الوالد واعتبر هذه الغلطة جريمة، لأنّه لم يقم بواجب الضيافة المطلوبة منه وهو كبير البلد، فكان عقابها الضّرب المُبرّح. هكذا تصف الحال ص11: "أمّا وجبة العشاء فكانت جدّا دسمة، لها مذاق خاصّ تناولها جلدي بقضيب من الرّمّان". 
وتنتقل إلى نقد البيروقراطية في تعامل السلطات مع المواطنين، فتقول ص13: "هكذا يُجرجروننا من قسم إلى آخر، حتى نَملّ ولا نطالب بأيّ حق "!وفي ص 15: تتحدّث عن المرأة التي مات زوجها وابنتها في يوم واحد فتقول: "يومها اخترقت العيون جدران بيتها، وراحت تعدُّ أنفاسها، ويومها يا صديقي بدأ الناس رهانهم: تتزوّج.. لا تتزوج! تترك أولادها.. لا تترك أولادها. يومَها صمّتْ أذنيها، أغمضت عينيها، ومَضت تُصغي لنداء الأمومة الحقّة، تحضنه برموش عينيها، وتواصل الحياة". وفي ص 16 تقول: "عزيزتي.. حين تصير أيّامُنا نوْحَ قصائد وبكاءَ قوافٍ، فهذا يعني أنّنا في ذبح من الوريد إلى الوريد"!
إنّها تلجأ في هذه الأبواب إلى لغة الخطاب، حيث تخاطب زميلتها في العمل في مكتب إحدى الصحف المحلّيّة. وتتوجّه إلى زميلها في نفس المكتب، فيدعوها لتناول طعام الغذاء معه في أحد مطاعم الناصرة. وهنا تترك المكان دون أن تحصل منه على أيّ تجديد، أو حديث حول إمكانيّة بناء حياة جديدة فيها شيءٌ مِن الحبّ. تترك المطعم متوجهة بالحافلة الى مدينتها طمرة، وهي هنا كما تقول مدينة الريح! وقد تكون الريح رمزًا لكلّ تغيير قد يطرأ على هذه المدينة، طالما تحوّلت من قرية إلى مدينة. وقد تكون الريح رمزًا لكلّ المؤثّرات الخارجيّة والداخليّة على حياة الناس في المدينة.  إلى جانب هذا الصديق في المكتب، لدى الكاتبة صديقة أخرى، تفرّغ معها شحنات غضبها وفلسفتها في الحياة. هكذا تقول لها رأيها في الحب كما ورد على لسان عصفورة فلسطين الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان، ص20 تقول: "بلا حبّ بلا هبل، هذه مشاعر تروح وتأتي، ثمّ نصيحة سمعتها وكانت صادقة: خذي من يحبك ولا تركضي وراء قلبك، من يحبك يُتوِّجُك مليكة على عرش أيّامه، ومن تركضين خلفه، يُبقيك جاثية على ركبتيك"!
تواصُلُ الأحداث أم انقطاع السّرد: إحدى مشاكل كتابة الرواية هي، أنّ عدد شخوص الرواية يكون كبيرًا إذا قارَنّاها بكتابة القصّة. ثمّ إنّ الكاتب المؤلّف قد يترك النصّ جانبًا أحيانًا، وقد تطولُ فترة ترْكِهِ للكتابة، وعندما يعود ليكتب، قد يقطع السرد بحادثة تذكّرها، فتأتي مبتورة لا تكامل ولا تواصل فيها مع ما سبقها، وهذا ما وقعت فيه كاتبتنا. إنّها تذكر تفاصيل زواجها والإعداد لذلك الزواج، ودوْر الأهل؛ الأب والأم والأخوات والعريس، ثمّ بيت الزوجيّة، ودوْر العريس المُتساهِل معها، والمُعزّي عندما تغضب، ويُطلِعها الطبيب على حقيقة أنّها غير حامل، خلال السنوات الأولى من زواجها، فيُخفّف الزوج عنها بكلماته الرقيقة، وتعلن أنّها تُحبّه كثيرًا، وتشتاق إليه كثيرًا، لأنّها اليوم وعند كتابة هذه الرواية، قد خسرت الزوج الذي توفي وتركها مع أولادهما، وكان عليها أن تُعيلهم وحدها. وهي لا تنسى بداية تدخّل عمّاتها، أخوات زوجها، في شؤونها الخاصّة، وكيف زجَرَتهنّ. كما أنّها تعرف كيف تضع حدًّا للجارة الثرثارة، لكنّها هنا تقطع حبل السّرد، وتنتقل إلى مكتب العمل في الصحيفة مع الزميل، وتُهمِل فترة طويلة من حياتها، فترة الحبل، والولادات، ومشاكل فقدان الزوج، وهموم الحياة الكثيرة، وحياة الترمّل! فماذا حدث في هذه الفترة وهي فترة طويلة؟! لقد أرخت عليها ستارًا من الكتمان، ستارًا أسودَ غير شفّاف، وحتى بدون أيّ تلميح، ويبقى القارئ يتساءل: أين البقيّة؟
إنّها تقطع السرد فجأة ودون أن يكتمل، وتعود من الناصرة الّتي تعجّ بالناس على أشكالهم المتعدّدة، وتسافر إلى مدينة طمرة مدينة الريح، فلا نسمع منها أيّ فكر أو توضيح لما ستقوم به في مدينتها.
يبدو أنّها ملّتْ من الكتابة وانقطعت، ولكن بدون ذِكرٍ لِما سيأتي، إن كان هناك ما سيأتي، لذلك فهي في الأبواب التالية، تعلن ص67 من الباب الخامس قائلة: "أنا يا هذا الرجل قضيّة نسائيّة، لم أزل مبعثرة ما بين جليد أيّامي وجدران ذكرياتي، مشبوكة بخيط وطزيز يئزّ ويئزّ في فضاء مدينتي. نعم صديقي الذي يريدني أن أكتب وأن أبدأ من الصفر. كذلك صديقتي أيضا تخزني بمسلّتها، وتطالب بذات الطلب وأقول لك ولي ولها: لا أنتَ ولا أنتِ ولا أنا ولا هي، ولا أحد يستطيع أن يجرّد الألوان من ألوانها، أو يخلع صورة من ذاكرة زمن أنثى" !
ومع ذلك فهي لا تنسى أنها عربية وتحبّ شعبها وتنتمي إليه، وتفضل الحديث عن كونها إنسانة وطنية على مشكلتها كأنثى. هكذا تقول ص64 من نفس الباب مخاطبة نفسها :أيتها الأنثى.. ما بين الغربة والانتماء ظللت هناك في مخيم العزة، نغرس قلوبنا معايشة وجدانية لكلّ همومنا الحياتيّة، بأدقّ تفاصيل التفاصيل وأجزاء الهموم. أحبّ شعبي وأنتمي إليه أينما أكون، وحينما تقذفني ظروفي التي اخترتها والتي لم أخترها. ويظل السؤال يشاغلني كم من المغتربين يعايشون هذا الوطن معايشة الانتماء، فمَن يعش الوطن داخله ويسكنه، يظلّ مُلتزمًا لانتمائه سواء غادره أم لم يغادره، ومن تملّكه حبّ المكان والزمان فوق تراب وطنه، لا يمكن لأية غربة أو اغتراب أن ينزع من جلده هذا الحب، وليس السؤال الطرح مَن ينتمي للوطن اكثر، الذين غادروه قسرًا، أم الذين ظلوا مُنزرعين في منازلهم؟"
المرأة هي شغلها الشاغل :ص77 من الباب السابع تخاطب نفسها، كما في كلّ باب بقولها: أيتها الأنثى! إن هذا الخطاب ليس من باب المتعة بأنها أنثى، بل على العكس من ذلك. فهي ترى أنّ الأنثى إنسانة مظلومة اجتماعيّا واقتصاديّا وحتى جنسيّا. فالحبّ بالنسبة لها هارب أبدًا من تجاعيد الأيام. وهي مع ذلك تحنّ إلى أيام الزواج الأولى، عندما رأت العمر يعود والأيام الأخرى تعود، وكلّ اللحظات المنسيّة عادت هي الأخرى، فتتخيّل نفسها تعيش تلك الأيام، فتقول واصفة علاقتها بالزوج ص73 ما يلي: أقبلت عليّ بشوق الأرض اليابسة المشتاقة للمطر. وامتلأت ارتواء ليس أحلى ولا أجمل منه ارتواء.. هل تشبه حالتي حالة جبران، من افتعال أزمات كاذبة ونصوص وهمية، أعايشها واقعًا مَعيشُا بكلّ خيالاته المَرضيّة؟"
وتتابع اقتباس ما قالته الشاعرة فدوى طوقان بأن: "الحب يا عزيزتي ليس له عمر محدد أو مكان محدد، فالحب لا يشيخ"! ص-74. إنّها تبحث عن الرجل الذي يحب، والذي شاخت به الأيّام وشاخ من حوله، ولكن قلبه لم يشخ! فمِن أي باب دخل ذلك الرجل إلى قلبها؟
ها هي تردّد ما قاله ذلك الرجل لها، وهو الذي أحبّته عندما كانا يتنزهان على شاطىء البحر: "أحبك قال لها. كثيرة هي الكلمات التي تقرأ من غير كتابة وتسمع من غير صوت. أحبك أيتها الأنثى المقيمة داخل النص وفي أعماق عمقي، أذوب معك ومثلك في سحر الحروف، أُقبل عليك في لقاء آخر.. أريدها كلمة غير كل الكلمات ترفعها فوق السماء، ألف سماء، كلمة تخصني وتخصك، نزرعها داخل غيمة بيضاء مسافرة إلى أبعد من حدود البحار، وأبعد من حدود الكلمات".
ومع كلّ هذا الحبّ الذي لا يمكن أن تخبئه أو تستره، لأنّه معشش في داخلها، فإنها ترى نفسها مسكينة، وكل النساء مسكينات. هكذا تقول ص 77: "مسكينة هي المرأة عندما تصبح الكلمات والنصوص لديها نبيذا فرنسيًّا، تتجرّعه على عجل بعد جوع وظمأ ورغبة! مسكينة هي المرأة، وملعون هو النصّ والكلمات التي قد تغيّر وجه تاريخ امرأة" !هكذا تنسى نفسها أو تتناساها من أجل العائلة، لأن الحبّ عندها هو رعية وأولاد وأحفاد، لا يعترفون أبدا بعواصف الحبّ في فصل الخريف والشتاء، حتى ولو كان مجرّد نصّ في كلمات!!
الجريمة التي ارتكبتها : في الباب الاخير تنتقد الكاتبة عملية الانتخابات التي نسميها معركة الانتخابات. فأية معركة هذه؟ وتتساءل هل الناجح أو الفائز بالمقعد أو المنصب، هو بالضرورة أكثر الناس ذكاء؟ قد يكون ناجحًا لأنّنا نحن الناخبين أغبى الأغبياء وبلا نقاش، لأننا لم نفكر من نختار وأيّ عمّ لأمّنا! والأمّ هنا هي المدينة! الجريمة إذن هي البحث عن لقمة العيش، عن الأمومة والأبوّة الحقيقيين.. وكلّ عذابات الانسان ناتجة عن غبائه هو، لأنه يبني لنفسه ما يريد ويخطئ في أكثر الحالات. وتضيف: "ونحن ما زلنا بخير، والريح ما زالت تعصف بنا جميعًا، ترفعنا وتنزلنا وتراقصنا ونراقصها، تلفّ وتدور بنا، ومع ذلك ما زلنا نرفع أيادينا، لكي نؤكّد موتنا والحياة". ص151.
وتنهي روايتها بمخاطبة مدينتها بقولها ص 152: "مدينتي سواء عندي إن كنت أنتِ، أو صرت كما أريد، تظلين الوطن الذي يسكنني وأغفر له كل زلاته، كوني زلزالا، كوني بركانا، كوني ما تكونين، فأنا أعشق موتي عند حدود ذراعيك، وغربتي بين أحضانك حياة، يا وطنا يأسرني حتى الحرف الأخير "!هكذا إذن؛ وبكلّ صراحة وقوّة، إنّها تتخلى عن كونها أنثى أساسًا، والأنثى تعشق الرجل، مع كونها امرأة عربية تسكن في مدينة الريح، وتحب هذه المدينة حتى الحرف الأخير أو النفس الأخير! هنيئا لك أيتها المبدعة فا طمة ذياب، وإلى اللقاء في إبداع آخر ! لك الحياة !
وجاء في كلمة د. منير توما: بعد قراءتي لرواية مدينة الريح للكاتبة فاطمة ذياب، وجدت أنّ هذه الرواية هي بمثابة استبطان لنفسيّة المرأة في مجتمع يغلب عليه الطابع الذكوريّ، حيث تبرز المرأة في هذه الرواية إنسانة متبرّمة غيرَ راضية عمّا يجري حولها، وقد رأينا في هذه الرواية أنّ الكاتبة هي الراوي وهي البطلة على مدار فصول الرواية التي تتخللها شخصيّة دبدوبة، التي أعتبرُها أنّها الذات الأخرى للكاتبة أو الراوي، وهي ما يُعرَف في علم النفس بالمصطلحات الأدبيّة (the alter ego)، وذلك لكوْن دبدوبة هو الصوت الناطق بما يعتمل ويختلج في صدر معظم النساء المغبونات مهضومات الحقوق في هذا المجتمع الذكوريّ، فدبدوبة هي الثائرة على وضع اجتماعيّ سائد تكون فيه المرأة مهيضة الجناح.
إنّ الكاتبة فاطمة ذياب تسلك في هذه الرواية مسلكًا ساخرًا من أوضاع ترفضها، وذلك من خلال قالب فكاهيّ خفيف الظلّ، لكنّه لا يخلو من جدّيّة الموضوع المطروح في معظم الأحيان، والنصّ التالي من الرواية يعكس هذه المعاني ويؤطّر لمضمون الرواية الهادف، فتخطب ساخرة  ص 54:
"دبدوبة: حقًّا نريد مَن ينزل إلينا ويتماهى مع همومنا. لا نحتاجُ سلّمًا كي نصعد إليه ونحن ولا نملك ثمن درجة من درجاته، على الأقلّ أعطوهم زلاّجة كي يهبطوا إلينا. لا نريد أن ننتخبهم للبكاء فقط، فدعونا نحن النساء نفعل هذا ولنجرّب. مطلوب حالاً نوّاحة عربيّة تبكي بالعربيّة وتتعرّى بالعبريّة، ومطلوب مصنع لمناديل ورقيّة، وباحشو قبور وربطات عنق وجنازات رسميّة لتشييع جثامين أحلام النساء، اللّواتي يقضين ويمُتنَ في معارك الجهاد والرباط، ويحرثن الأرض بالطول والعرض كي لا تسقط احداهن من فوق".
وفي هذا النصّ نشعر بمدى خيبة أمل الكاتبة بلسان دبدوبة، واستيائِها مِن عدم إتاحة الفرصة للنساء من التعبير عن ذواتهنّ وتحقيق طوحاتهنّ، وذلك من خلال لغة الاستعارة المُعبّرة عن هذه الحالات والاوضاع، باستخدامها عبارة "تشييع جثامين أحلام النساء"، ممّا يشير إلى القدرة اللغويّة البلاغيّة للكاتبة، في التعامل مع المجاز اللغويّ، كما تؤكّدُهُ كثيرٌ من الحوارات الواردة في فصول الرواية.
تخوض الكاتبة في هذه الرواية غمارَ عدّة أفكار ومواضيع حياتيّة ترتكز أساسًا على عالم المرأة، وترتبط بأحوالها في المجتمع الذكوريّ الذي تحيا به، فالكاتبة تطرح مسألة ترشيح المرأة للانتخابات وخوضها معركة سياسيّة في هذا الاتّجاه، لأنّها ترى أنّ ذلك حقّ من حقوقها كفرد في هذا المجتمع، يتمتّعُ بالأهليّة لهذه الممارسات الاجتماعيّة والسياسيّة، علاوة على ذلك، فإنّ الكاتبة تتناول موضوعًا حسّاسًا يتّصل بعالم المرأة وعلاقتها مع الرجل، يتمثل في لعب القمار وانحرافهم اجتماعيّا.
ومن المواضيع الأخرى التي تتطرّق إليها الكاتبة، ما يدور في عالم المرأة من نشاطات، كانتخاب ملكات الجمال ومناسبات عرض الأزياء، وكلّ ذلك من خلال مزيج من السرد والحوار الذي يطغى إلى حدّ ملموس في الرواية.
ومن اللافت أنّ الكاتبة لا تنسى التعرّض لموضوع زواج الفتيات، متّخذة من دبدوبة وسيلة، تقدّم بواسطتها بقالب فيه بعض الدعابة والفكاهة الكثيرَ من النصائح للعروس المقبلة على أوّل سنة زواج، حيث تبدو دبدوبة خبيرة في مثل هذه الأمور، باعتبارها امرأة عاركت الحياة وخاضت العديد من تجاربها وتقلّباتها، ومن الواضح في هذه الرواية أنّ الكاتبة تُصوّر دبدوبة بكونها مخلوقة طيبة القلب متسامحة، رغم أنّها لا تحتمل الضيم ولا تترك حقها يضيع هباء، فحين ضرب الولد ابن دبدوبة بحجر، وسال الدم من رأسه، تخبرنا الكاتبة من خلال النص قائلة: "مَن لا يعرف دبدوبة ومدى تعلقها بأولادها؟ أما دبدوبة فأنا أعرفها جيّدا ولا أبالغ .. طيبة القلب هذه تصبح كالنمرة الشرسة إن تعدّى أحدُهم حدود عائلتها أو أولادها، ولها مقولة تردّدها بمناسبة وبغير مناسبة: “الحق حقّ ولو على قطع الرأس". ص118.
ومن ضمن الاستعارات العديدة التي تلجأ إليها الكاتبة، ما أوردته في حديثها عن حريّة الأنسان عامّة والأنثى خاصّة، في مجال العمل الذي يتطلّبُ من الإنسان، لا سيّما الأنثى في هذا المجتمع، الكثيرَ من التنازلات والخنوع للفساد والظلم والاستبداد للسيد رئيس أو صاحب العمل في المكتب أو غيره، فتقول الكاتبة في هذا الصدد:
"هكذا يا صديقي.. هكذا اخترنا ورضينا أن نكون قطاريز في حقل بطرس، وأغمضتُ عينيّ عن كلّ ما أعرفه من قوانين السادة والقطاريز. كنتُ أعرفُ جيّدًا أنّني كي أُقبل قطروزة في حقل بطرس، عليّ أن أفعلَ ثلاثة؛ أن أرى بعينَي السيّد، وأن أسمعَ بأذنيْهِ وأن أتكلّم بلسانه، ولأنّني حشرتُني داخل المثلث المغلق، رضيتُ أن أكون كذلك، وسريعًا جدًّا تعلّمتُ كيف أغلق عينيّ وأذنيّ ولساني، وأعلّقهم جيّدًا على المشجب الصغير وراء باب غرفة المدير. أسفة. أقصد السيّد الجديد. تعلّمتُ كيف أكون حدّاءة أروّجُ بضاعة السيد حتى وإن كانت فاسدة غير صالحة للأكل وللاستعمال. المُهمّ أن تصلَ بضاعة السيّد، أعني المدير، وكذلك زوجة المدير". ص 194.
وفي كلّ هذا نقدٌ اجتماعيّ لخيانة المبادئ والقيم في سبيل العيش، خصوصًا إذا كانت الأنثى هي مَن تقوم بذلك، سعيًا وراء العمل والوظيفة الّتي تؤمّنُ لها المالَ اللازم لها ولأولادها، ومن حيث أنّ المرأة أو الأنثى تدرك خطورة ما تقوم به، وتعلم أنّ ذلك مُنافٍ لأصول الحرّيّة الإنسانيّة، فإنّها تُصرّحُ بحقيقة تصحيح الأوضاع التي كانت قابعة فيها قائلة: "صديقي.. لا يمكننا أن نُعلّمَ أولادَنا عشق الحرّيّة، ونحن بأنفسنا نعشق أغلالنا". ص 195.
وهنا تظهر شجاعة الأنثى، حين تقول للرجل الذي يعاني من ظاهرة الخنوع الوظيفيّ الطوعيّ لرئيس العمل في بقيّة حوارها معه: "كم تألّمتُ عندما سمعتك تقول: ليتني صديقتي أمْلكُ نصفَ ما لديكِ من شجاعة، حتى أغادرَ قصر السيد غيرَ آسِفٍ وغيرَ نادِم. يومَها حاولتَ أن تضع المبرّرات الوهميّة لهذا العشق الخرافيّ، ولذاك الخنوع اللامتناهي، بل الأسطوريّ، وظللتُ عن بُعدٍ أراقب انتحارَكَ على عتبة باب السيد حتى آخِر قطرة دم، وأنت تنزف آخِر نقطة حبر فوق أوراق السيّد". ص195
إنّ في هذا الحوار إشارة إلى كوْن المرأة أو الأنثى في كثير من الأحيان، تكون قادرة ومتمتّعة بالشجاعة أكثرَ من الرجل في تحدّيها وثورتها على أوضاعٍ ملتوية، انطلاقًا مِن شعورها بأهمّيّة الحرّيّة، رغم ما قد يعود عليها من ضرر مادّيّ، فهي بذلك تكون قد عرفت طريق الكرامة والحرّيّة غيرَ آبِهةٍ أو مُكترثة بالمغريات المادّيّة.
وإذا حاولنا أن نبحث عن سبب تسمية الكاتبة لروايتها بمدينة الريح، فإنّه يمكننا أن نقول، بأنّ هناك تماهيًا بين الأنثى والمدينة، من حيث كوْن المرأة أو الأنثى متقلّبة في عواطفها ومشاعرها وسلوكها، دائمة التغيّر كالمدينة المقترنة هنا بالريح، التي تميل دائمًا في اتّجاهات مختلفة، وقد تحدُثُ في مسارها تغييرات جوهريّة. "نعم أيّتها الأنثى المقيمة في المدينة الباحثة عن نقطة ضوء في دهاليز المدينة، سقطت أوراق التوت والتين والتفّاح والرحيق والقرنفل. سقط القناع عن وجه المدينة، ومع كلّ هذا، ما زلتُ أيّتها الأنثى الرقم الصعب في مفكّرتي، والسطر الأوّل في حروفي، والجُملة الأولى في كتاباتي".
وهكذا يتّضح ممّا تقدّم، أنّ هذه الرواية تتراوح في بنيتها بين الحوار والسرد، وهي أقربُ للمذكّرات الشخصيّة للراوي الممثَّل بالمرأة أو الأنثى، التي صوّرتها الكاتبة في بعض الحالات بأنّها صعبة المراس أحيانا، ومُواسية للآخرين أحيانًا أخرى، وكوْنها موضوعيّة في جانب من آرائِها وتصرّفاتها، لكنّها تبقى الأنثى الشفافة التي يتنازعها الحنين إلى الرجل في كلّ زمان ومكان، فللأخت الكاتبة فاطمة ذياب أجمل التهاني وأصدق التحيّات، مع أطيب التمنيّات بدوام التوفيق والإبداع والعطاء.
وجاء في كلمة د. شكري عبد – مدير برنامج اللغة العربية: أودّ أن أُهنّئ بداية الكاتبة فاطمة ذياب على هذا الإنجاز، الذي يمكن أن يقال أنه ينضمّ إلى حافلة الكتب التي تُعدّ بمثابة نقدٍ اجتماعيّ وسياسيّ، فالعنوان "مدينة الريح" برأيي هو رمز لما أرادت الكاتبة أن تقوله. في هذه الرواية مجتمعنا يتعرّض لاهتزازات كثيرة نتيجة للتغيرات الاجتماعيّة والسياسيّة التي تعصف به، كما تهتزّ الأشجار في مهبّ الريح.
أسلوب الكتاب جارف يتمثل بترابط قويّ بين الأفكار، فهناك ديناميكية مثيرة، حيث تنتقل الكاتبة من فكرة إلى أخرى مرتبطة بها بلباقة، ودون ترك ثغرات منطقيّة.
لغة الكتاب تدلّ على قدرة لغوية للكاتبة، وهناك إبداعات لغوية.
الفحوى: الرواية تتحدث عن حياة امرأة عادية في قرية عربية فلسطينية داخل الخط الأخضر، فهي تصف أيام الطفولة والمدرسة، ومعاملة الأب والأم لبناتهم ولأولادهم، ومرحلة الزواج وإلخ.. وفي كل مرحلة نجد هذه الفتاة المرأة تتأمل معطيات مجتمعنا، وتقاليده، والأنماط السلوكية التي تحكمه، وتنتقد بشدة الكثير من هذه الظواهر، كما أنها تتعرّض لوضعنا السياسيّ الماضي والحاضر، ولِما حلّ بالأمّة العربيّة من الخسارات، وتراجع في مواقفها السياسيّة وموقعها في العالم.
هذه الشخصية التي تعرضها الكاتبة في كتابها الذي نحن بصدد تحليله، تمثل إلى حدّ كبير كل واحد منا، فالمشاكل الاجتماعية التي تحكم مجتمعنا مرفوضة من قبل الكثيرين منا، والويلات السياسيّة التي تهزّ عالمنا العربي، تهزّ كيان كلّ منا يومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة، وأنا أقول إنّ هذه الشخصيّة الروائيّة تمثل التناقضات التي أدخلتنا بها الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة، وهذه التناقضات التي تكاد تفقدنا توازننا، تُعبّر عنها الكاتبة بقولها: "أنت إنسانة ممزوجة من كل تناقضات الكون، فيك الشرّ وفيك الخير، وعندك القوّة والضعف، وبصراحة أنا عاجز فعلًا عن فهمك، أحيانا أجدك ابنة مجتمعك بكلّ قيوده وشرائعه، وأحيانا أراك مُتحدّية لكلّ القيود والشرائع. باختصار أنا لا أفهمك، والذنب ليس ذنبك أنتِ، بل ذنب الأقدار التي عجنتك بهذه الصفات المتناقضة" ص78.
بالرّغم من أنّني أشعر أنّ الكاتبة تعْزي هذه التناقضات إلى الأقدار، مُتهرّبة من مسؤوليتنا الشخصيّة عن هذه الاوضاع التناقضيّة والسلبيّة التي نعيشها في مجتمعنا العربيّ، إلّا أنَني أعتقد أنّ هذا الوصف للتناقضات وصفٌ دقيق لأحوالنا الاجتماعيّة، فهذه الجدليّة الهيجليانيّة تُعبّر بدقّة عن حالة كلّ منّا، نحن نحبّ مجتمعنا ونكرهه في نفس الوقت، أو لأقل نكره الكثير من أوضاعه وأحواله، إلى درجة أنّنا قد وصلنا إلى درجة تسمّى بالإنكليزيّة self hating art ، كما تعبَر عنه الكاتبة ص63 عند وصفها لنتائج حرب 1965: "يا جماعة هي مصر بقدرة فرنسا والإنجليز وإسرائيل"؟ ويردّ آخر: شو بدكم.. أكلها عبد الناصر. ويقول آخر: لا والله.. احنا اللي هون أكلناها.. خد من اليوم وطالع كيف سيعاملوننا.. تفو على أحسن عربي". ص63
وقد أدّى هذا الامتعاض من الموقف العربيّ السياسيّ، إلى أن تلعن بطلة القصّة الحكّام بقوْلها: "يا طغاة العصر ويا زناة التاريخ، على مَن تضحكون وتكذبون" ص44. كما أنّها تنتقد بشدّة ما يسمّى الربيع العربي، وتبدي تشوّقًا لأيّام عبد الناصر ص41-42، وهجومًا كاسحًا على الحكّام العرب ص43. وقبل أن ننتقل إلى النقد الاجتماعيّ، أودّ أن أذكر أنّ الناحية السياسيّة تحظى باهتمام كبير أيضا، ففي الباب التاسع عشر من الكتاب، تعرض بحزن شديد التغيرات التي طرأت على الناصرة في السنوات الأخيرة، والتشوّق لأيام توفيق زياد حيث تقول ص131: "كلّ ما في الناصرة مزيف. الآن أشعر أنّها مُهجّنة من عدّة أماكن. لم تعُد الناصرة التي أعرفها وعرفتها، وعشت في أماكنها تلميذة في صف من بناياتها، أيّامها كانت الناصرة عربيّة. أمّا الآن فأشعر أنها خلعت عن نفسها تلك الحضارة وذلك الثوب. ثمّ تتطرّق إلى الفتن التي تحدث في الناصرة، على خلفية مسجد شهاب الدين، حيث جعلوا القضية متاجرة على المكشوف".
إذا؛ كانت الكاتبة تتحسّر على أحوال الأمّة العربيّة، كما تتحسّر على أوضاع الناصرة، والتي تعكس إلى حدّ ما بعض الأوضاع العربيّة الراهنة. أنتقل الآن إلى النواحي الاجتماعيّة لهذا الكتاب. في الباب الأوّل تستعرض الكاتبة متمثلة ببطلتها، حالة الاغتراب والبحث عن الذات في هذا العصر الذي نعيشه، وهي تحاول أن تخرج من هذا الاغتراب، من خلال رسم صورة المدينة الأخرى في ذاكرتها ص5، أي أنّها تحاول أن تتخلص من حالة الاغتراب هذه، مُحاوِلة العثور على ذات وهُويّة جديدة ومقبولة. الوضع الحاليّ السياسيّ والاجتماعيّ غير مقبول ويجب استبداله، فمن الناحية الاجتماعية تتعرّض الفتاة منذ ولادتها للتمييز ضدّها، حيث أنّ مكانة الولد هي دائمًا المفضلة والمرغوبة، وهذه تتمثل في العبارات التالية: "فرحة عارمة تملأ فضاء البلد، تنطلق المهاهاة والزغاريد: يا ناس صلوا عالنبي، مرتو للمختار جابت صبي ص6 وص7. عندما تتساءل: ألأنه الأجمل أم لأنه الذكر وأنا الأنثى"؟ وص69: حرام يا رب لو كانت صبي؟ وهذا التمييز ضدّ الفتيات ينعكس حتى في الألعاب ص70. وكما تقول ص 100: مِسعدِة وحظك قوي، بكرك بنت وتنيك صبي". وهي تضيف إنّ المقولة لصالح الولد: يريدونها ابنة تربّي الذكور القادمين من بعدها.
مرحلة الزواج: في الباب الحادي عشر بعد أن تُساوي بين مراسيم الزواج ومراسيم التشييع تقول: وسلّمت حياتي إلى سيّد آخر ص85. وهي تدعو إلى تربية ما قبل الزواج والتحضير للزواج ص91. وتنتقد الزواج والسكن بقرب ومع عائلة العريس ص94. وهي تستهتر بعادة المَهر ص81، والتدخّل في شؤون الزوجيْن، وتوقّع إنجاب الولد، وتدخّل الجيران في شؤون الجيران الآخرين، ومحاولة الكاتبة بطلة القصة التخلّص من هذا ووضع حدّ له ص97 في الباب الثاني عشر. هذه الأمور كلها أمور نعهدها، وهي حقيقة واقعة في مجتمعنا العربي، وأهنئ الكاتبة على جرأتها بالتعرض لهذه الأمور ونقدها، بل والاستهتار بها. وأودّ الإشارة إلى أن الكاتبة لم تتعرّض لظاهرة الأعراس، التي أصبحت منهكة لمجتمعنا، وأصبح مجتمعنا العربي مستهلك من قبلها.     
وجاء في كلمة القاصّ ناجي الظاهر: إنّ الرواية هي سيرة ذاتيّة تختلف عن الرواية، بأنّها تتحدّث عن الحياة اليومية للكاتبة نفسها، وهذا النوع عُرف بالأدب الحديث، وهي تأثرت بذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي، ورحلة جبلية صعبة لفدوى طوقان، وقد استخدمت الكاتبة فاطمة أسلوبًا جريئًا جدًّا وساخرًا، في طرح الكثير من القضايا العاصفة، فتصوّرها الكاتبة كما قال المتنبي: فَما حاوَلْتُ في أرْضٍ مُقامًا/ ولا أزْمَعْتُ عَن أرْضٍ زَوالا/ على قَلَقٍ كأنّ الرّيحَ تَحْتِي/ أُوَجّهُها جَنُوبًا أوْ شَمَالًا.
كما تتناول الرواية تحكُّمَ رأس المال بالإعلام، وهي رواية بحث عن الذات وعن الهُويّة، فهي بمثابة قرعات بيدٍ من فولاذ على بوّابة الرواية المحليّة، وهي أشبه بتشظي صور منثورة من حيث الزمن، والرواية خارجيًّا تبدو غير مترابطة، ولكنّها داخليًّا مترابطة المضمون والمعنى، وتصلح أن تكون فيلما سينمائيًّا، يصوّر واقعنا ويقدّمه لنا وللآخرين.
وجاء في كلمة سعود الأسدي: الإخوة والأخوات الأعزاء، تحياتي لكم جميعا، وباقة ورد للكاتبة الأديبة فاطمة ذياب، في يوم تكريمها الجميل وبعد. تعود معرفتي إلى فاطمة ذياب إلى أيام طفولتها، وهي تسرح وتمرح في بيت رحب تعوّد استقبال الضيوف، لمكانة والدها المرحوم يوسف عبد ذياب الذي كان زعيمًا، تقصده جيرته وأهل بلده والأصدقاء من القرى المجاورة، فكان مجلسه ديوانًا تجري فيه كلّ صنوف الأحاديث، وكانت فاطمة "قطقوطة" صغيرة متيقّظة كالقطّة، لا تفوتها شاردة ولا واردة من أحاديث مجلس والدها، والبيت كما هو معروف هو المدرسة الأولى، وخصوصًا إذا كانت على رفّ من رفوفه بعض الكتب من تفسير قرآن أو كتب حديث، أو شِعر أو سِيَر أو أدب، أو سياسة واجتماع وجرائد وسوى ذلك، ولقد نهلت فاطمة من تلك الكتب بقدر ما تسعف به قدرتها وهي في الصفوف الابتدائية، وهي تشير إلى ذلك في الصفحات الأولى من روايتها، وتروي حكاية طريفة عن امتحان والدها لها، بسؤالها عن مضمون كتاب اشتراه لها، وهي بأسلوبها الفكة راوغت ولم تجب، وذهبت إلى فراشها ونامت بلا عشاء.
ثم عرفتُ فاطمة وقد شبّت وانتقلت بعد المدرسة الابتدائية في قريتها طمرة، التي لم تكن مدينة  للريح بعد. قدِمت فاطمة إلى الناصرة إلى مدرسة القديس ماريوسف الثانوية، ويومها كانت المدرسة للبنات فقط، ولمّا دخلت إلى صفّها ونظرت إليها عرفتها، فابتسمت واحمرّت وجنتاها وأطرقت خجلًا، فلم أحرجها، ومضيت في الدرس.
وقد لفتت انتباهي إليها بشدة إصغائها، وتلهّفها إلى اللغة العربيّة وأدبها، ثمّ مرّت سنوات بعد تخرّجها، ولم أرها خلالها حتى قرأت لها مادة قصصيّة في صحيفة، وعندها تيقّنت أنها تريد أن تشقّ طريقها بمساهمات أدبيّة واجتماعيّة وقصصيّة، وقد ضافرتُ جهودها وبشجاعة، فبادرت إلى نشر كتاباتها في عديد من الكتب، تعتبر إضافة جادّةً إلى المكتبة الفلسطينيّة، وكانت بذلك من رعيل الفتيات اللواتي كسرن جدار الصمت. وإنني أريد أن أنطلق في الحديث عن الكاتبة الأديبة فاطمة ذياب، انطلاقا من روايتها الأخيرة "مدينة الريح". تحمل رواية مدينة الريح طابعًا بيئيًّا بامتياز، ترسم من خلاله وبأسلوب جميل وشائق صفحات نشأتها والمحيط الأصغر، الذي  يأخذ في الاتساع من البيت وساحة البيت الى الحارة ثمّ الحارات، وإلى البيادر وإلى لوح الدراس، ثم إلى الحقول والكرم "لاختلاس" قطف حصرم. ولعلّ موضوع البنت والصبي في هذه الرواية من أدقّ الصور في رواية مدينة الريح، كما ظهر الوعي السياسيّ لذكرى النكبة عام 1948، ثمّ ما أتى من نكسة عام 1957، وما أصاب العرب من خيبة آمال، يوم استقال الزعيم الكبير جمال عبد الناصر.
يشغل جانب التجربة الحياتية للكاتبة فاطمة ذياب حيّزًا كبيرًا من صفحات "مدينة والريح" والقارئ يواكبها في مراحل حياتها كالرسم البيانيّ في صعود وهبوط، ولعلّ تسمية تلك الرواية، وهي قصة طويلة "مدينة الريح"، هي تسمية افتراضية واسعة، لأننا نفتقر إلى المدن والثقافات المدنية وإن حمّل بعضهم لروايته اسم "مدن الملح"، صحيح أنّ قرانا ومدننا كالأراضي السَّبِخة المالحة، أجل قرانا مالحة وما نسمية عندنا مدنًا، فهو لغاية ميزانيّات من وزارة المالية، وما قيل عن مدينة النحاس فهي في ألف ليلة وليلة، وما "حكاية مدينين" من حكايات ألف ليلة وليلة، بل من حكايات بلاد الإنجليز .
لقد أنعمت علينا فاطمة ذياب برواية "مدينة الريح"، لأنّ حياتنا كما تصفها الكاتبة هي قبض ريح وهو وصف صادق: والرّيح ما زالت تعصف بنا جميعًا، ترفعنا وتنزلنا وتراقصنا ونراقصها، تلفّ وتدور بنا ومع ذلك، ما زلنا نرفع أيادينا (حادثة الفتاة التي رفعت يدها إشارة لموتها)، لكي نؤكّد موتنا والحياة، ما زلنا نملك الوقت، كي نتحدّث عن الذين طاروا مع الريح، والذين أخذتهم الريح إلى زمن آخر، يلوكون انفسهم وأمجادَا ذات يوم تنفّسوها، ونتحدّث كذلك عن الذين وقفوا في وجه الريح صامدين كصمود الرّز بصنوبر، واللحمة "بلبن أمّو"، والكبّة المقلية على موائد أفراحنا: لقد صدقت الكاتبة الأديبة فاطمة ذياب، وهذا هو حالنا كما وصفنا أكبر شاعر بقوله: لا يَفْقِدَنْ خيرَكم مجالسُكمْ/ ولا تكونوا كانّكم سَبَخُ/ ولا كقومٍ حديثُ يومَهمُ/ ما أكلوا أمسهم وما طَبَخُوا/ وشكرًا جزيلًا للكاتبة الأديبة ولكم والسلام.
وقالت سعاد قرمان: لم تفاجئني الأديبة فاطمة دياب بإنتاجها الأخير رواية مدينة الريح، فقد جاءت عصارة عمر قضته في نضال مستمرّ، مع مشاكل مجتمعنا وتمسُّكه بتقاليد ظالمة للأنثى، قاست منها الأمرّيْن منذ الطفولة، وعالجته في مسيرتها الأدبيّة منذ بدأت الكتابة في سنوات السبعين من القرن الماضي، وقد تنوّع نتاجها بين الرواية والخواطر والمسرحيّات والمجموعات القصصيّة وقصص الأطفال. في رواية مدينة الريح التي هي أقرب للسيرة الذاتية، برز أسلوبها الشيق ولغتها السلسة المزدانة بتعابير صادقة، وصور اختلط فيها الألم بالفكاهة الذكية، تعكس أحداثًا عاشتها في طفولتها حتى سنواتها الستين، وكما تشير لعمرها في مواقع عدة بستّين أيلولًا، وهو شهر ولادتها حينما ولدت غير مرحب بها، بل مُخيّبة لآمال أسرتها كمعظم بنات جنسها في تلك السنوات، وآمل أن تكون هذه الرؤية في سبيلها للتغيير، بعد أن اقتنع معظم الآباء أنّ معظم بلاويهم يُسبّبها الأبناء وليس البنات، بسبب سوء التربية، إذ كان والداها يأملان أن يرزقهما الله أخًا لابنهم الوحيد بين ثلاث بنات، هذا التمييز خلق في روح الطفلة ميزة التحدّي التي برزت في حوادث عدّة في سياق روايتها، ممّا يُثير إعجاب القارئ بها، وهو يرى الطفلة تدخل ديوان والدها المختار خلسة، تتناول ممّا على رفوف مكتبته من الكتب لتقرأها، وهي ما تزال طفلة لا تفقه ممّا تتهجّاه شيئًا، ممّا جعل المختار والدها وقد ضبطها متلبّسة بفعلتها يصيح بها: هو أنت يا قردة؟ وعندما أرادت الهرب استوقفها قائلًا: تريدين أن تقرئي؟ أنا أجيب لك كتب على قدّك. وهكذا أصبح يحضر لها من المدينة كتب كامل الكيلاني وغيرها، ممّا تستطيع قراءتها والزهو بها أمام أترابها، تنتقل بنا في حوادث طفولتها من ديوان أبيها ورقصة المهباج ورائحة الهيل مع قهوته إلى البيدر ص67، حيث غادرت أمّها تحمل تحت إبطها بعض أرغفة من خبز الطابون الساخن جدًّا، وعلى رأسها يسترخي الغربال يحمل داخله القفة الكبيرة، والقفة الكبيرة تحمل القبعة، والقبعة تحمل الصاع الخشبيّ المحروق، إلى تلك اللوحة من البيدر، حيث كانت خالتي وجدتي وعماتي والقطروز يستعدون ليوم طويل من الغربلة، يومها كنت طفلة صغيرة بضفيرة شقراء تداعب ظهري وتلاعبني. تبعتُ أمّي إلى البيدر أعانق أشعة الشمس الذهبية، هذا الذهب الأصفر الذي يقال له سنابل، وكلّ العالم أمامي يتربّع على البيدر، أضمّه وأحتضنه بكلّ ما في داخلي من براءة الطفولة، آخذه معي إلى سفح تلة السنابل، وأتدحرج به إلى أسفل الكومة، غير عابئة بشاعوب القطروز وتوبيخ الأم والجدة. ص68.
هذه الروح المُتحدّية تبرز في نواحٍ عدّة من الرواية، رغم أنّها اصطدمت بمشاكل اجتماعيّة رفضتها، ولكنّها اضطرّت لقبول واقعها، وفي روحها تصميم على المقاومة وتحقيق عالمها كما تريده. تصوّر انسياق الأنثى لأحكام العائلة في الزواج واختيار الزوج المناسب، يوم سألها ذاك الشيخ الذي يدعونه مأذونًا: مَن وكيلك يا عروس؟ لم تفهم النصَّ جيّدًا، ماذا تعني الوكالة، ولماذا أصلًا توجد وكالة؟ ألا يمكن للعروس أن تُزوّج نفسها من غير وكيل؟ ولماذا يكون الأب والأخ الأكبر هما الوكيلان؟ علّموها النصّ والإجابة التي أعدّوها لها مسبقًا، وردّدتها من غير تفكير: السيّد هو وكيلي- طبعا السيّد.
تُصوّر فاطمة مدينة الريح بعالم تعصف به الأهواء، وتنتقد بشدّة مجتمعنا في معظم نواحي حياتنا الأساسية، كالانتخابات مثلًا والسيطرة العائليّة على توجّه الشعب في انتخاب من يُمثل وتقول: ولأنّنا أناس نُتقن فنّ التخلّي عن عقولنا ووعينا وإدراكنا، لنتشبّث بأطراف ثوب القبيلة الساكنة في أعماقنا، كلّ ما حولنا يُذكّرنا أنّنا لم نزل عبيدًا في مزارع الحمولة، عشقنا صمت المقهورين، واخترنا أن نظلّ على الرصيف نتألم بصمت، نحلم بصمت، نتفجّر بصمت، نثرثر بصمت، و(اللي باخد امي هو عمي)، نقولها باستسلام كي لا تغضب الحمولة. هذه العجالة لا تكفي الرواية حقها، فهي حافلة بالنوادر الطريفة والأحداث الشيقة والمواقف المؤلمة، كلّ هذا بلغة سلسة حافلة بالأمثال الشعبية، والأغاني المُعبّرة عن مواقف إنسانيّة من واقع شعبنا وحياتنا، بكلّ ما فيها مِن حُلوها ومُرّها، فكلّ التقدير للأديبة فاطمة دياب، على إسهامها الجدّيّ والجدير بالاحترام، والتقدير لأدبنا المحلّيّ الفلسطينيّ، ولا أبالغ إن قلت، إنّه يَندرج على نواحي الحياة في معظم بلداننا العربيّة.
  في نهاية اللقاء قالت فاطمة ذياب: أجمل بطاقة مَحبّة وأغلى أيقونة مودّة، وأعذب معزوفة شكر أقدّمها بحروف معطّرة بالودّ والعرفان، إلى جمعيّة إبداع كفرياسيف، ممثلة بالمدير جورج توما وطاقم الإدارة وأعضاء الجمعيّة المعطاءة، التي أسهمت ولم تزل في بناء هذا الصرح الإبداعي الأدبيّ والفنّيّ، هكذا من هنا وهناك ننطلق إلى فضاء القلوب، نحاور ونناقش ونعرض ونستعرض، كي نصل بإبداعنا إلى الأجمل، والشكر موصول أيضًا للسادة روّاد المنصّة والحوار، مع حفظ الألقاب والأسماء، رايات خفاقة في فيافي الوطن، والشكر للسادة الحضور تقول دبدوبة: الإناث قبل الذكور. لكم جميعًا نقول دمتم ما دامت الحروف لغة نعايشها ونعاقرها، ونرسم لوحاتنا الثقافية والفنية، أمّا بعد هذا، صال وجال روّاد الفكر والإبداع في ربوع مدينة الريح، وهي كلّ المدن هي الدولة والقارة بكلّ مداراتها، هي شهقة الحياة في صخب المحيط، هي رعشة الجسد المستتر وراء التفاصيل المبهمة إلى درجة الاندهاش، هي هذه البقعة الجغرافية الزمكانيّة التي تقتحمنا بزوايا عبثية تبدو، ولكنّها تُجسّدنا بكلّ نصوصنا الحياتيّة.
إخواني، لقد غاص كلّ منكم في لجّة النصوص بأدواته ومفرداته على طريقته وسجيّته، فاختار الأبعاد التي قد تكون متماهية مع دواخله بشكل أو بآخر، وبدوْري أثمّن كلّ جهد وكلّ غوص له خواصّه ومزاياه، وقدرته التي اجتهد في استخراج لؤلؤة الذات وما وراءها، رغم طفوليّة النصّ وشقاوته، وبكلّ الأحوال أراها مدينة الريح مجاهدة في ساحة الوغى، ترفع راية الحق في عصر السلاطين الجدد. أعترف أنّي مارست العصيان في جزر بلا شطآن، وكي أكون يجب أن أكون. إذن؛ كان لا بدّ أن نَصْدُقَ مع دواخلنا، كي نأتي بنصوص تتماهى مع أوجاعنا وقضايانا، فتأخذنا التفرّعات إلى روافد حياتيّة نعايشها وتعايشنا بكلّ عذوبتها وعذاباتها.
أما بعد مدينتي سواء عندي إن كنتِ أنتِ، أو كنتِ كما أريد، تظلّين الوطن الذي يَسكنني وأغفر له كلّ زلّاته. كوني بركانًا، كوني زلزالًا، كوني كما تريدين، فأنا أعشق موتي عند حدود ذراعيك وغربتي بين أحضانك حياة. ولأنّني أعشق ترابك أسامح، ولأنّني أعبد فضاءك أصالح، ولأنّني متيّمة بجذورك أمُدُّ يدي كي أصافح، يا وطنًا يأسرني حتى الحرف الأخير.
وأخيرًا، أحبُّ أن أختم مع دبدوبة، فلدبدوبة فلسفة وجوديّة لا تشبه أيّة فلسفة أخرى، وأنا أثق بفلسفة دبدوبة، حتى لو جاءت بصينيّة بطاطا من غير زغاليل، أو جاءت كنفوشة أخرى لا تشبه الكنافيش، ودبدوبة تعلن أنّ تحت نعليْها مليون صفر، وكلّ صفر يزيدها علوًّا وارتفاعًا في مدارات الحياة، وأنا أعلن عن ولادة معزوفة الكواكب للأطفال، وأدعوكم جميعًا كي نعزف مع أحفادنا من خلال نصّ جديد، يقول إنّ الأطفال كبارًا إنْ أردناهم كذلك، وبإمكاننا أن نوصل لهم فكرنا بلغةٍ سلسةٍ مُحبّبةٍ. أتمنّى لكم قراءة ممتعة ورحلة موفقة في ربوع مدينة الريح.

2013-07-01