الجمعة 30/1/1442 هـ الموافق 18/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ولادةُ طفلٍ ميِّتٍ/ تفاحة سابا

تسألُني عيناكَ يا صديقي عن أَلمي... عن مدى خيبتي... آلافُ الأَسئلةِ المحرجةِ التي تأبى أَن تُطلقَها يشعُّها بريقُ عينيكَ نارًا تشعلُ جراحي... تشعلُني... تقفُ علاماتُ الاستفهامِ فيها حادَّةً كنصلِ السكينِ تحفرُ في عمقِ الخيبةِ المتكرِّرةِ التي ما زالَتْ مفتوحةً تنزفُ ذاتها أَلمًا وتطهيرًا! 

صمتُكَ يعذِّبُني... لماذا لا تطرحُ أَسئلتَك مباشرةً؟! أَلا تعرفُ أَنَّ علاماتِ الاستفهامِ المُراقةِ من عينيكَ تشلُّني عن متابعةِ تمثيليَّتي، تستفزُّ كلَّ أَقنعتي وتعيدُني إِلى صفاءِ أَعماقي الحزينةِ...؟! هل تعلمُ يا صديقي أَيَّ فضاءٍ رحبٍ ستلتقي عندما تلتقي صفاء أَعماقي الحزينة؟!

محاولاتُك الحذرةُ أَن لا تلتقي عيونُنا تنتزعُني عن مسرحِ الناسِ الهزليِّ وتُلقي بي إِلى فراغِ هوَّتي السحيقةِ... هناك أَكونُ وحيدةً... وحيدة... أَحتضنُ أَشلائي وأُطبطبُ عليها بحنوِّ من عايشَ معنى الحلمِ وانخذالِه, ومَن أَدركَ أَينَ تكمنُ حقيقةَ الوجودِ!

في تلكَ الأَعماقِ زوجةٌ مضى على زواجِها سنوات وسنوات... زوجةٌ ترغبُ أَن تلدَ طفلَها... زوجةٌ تعشقُ طفلَها الذي لم يولدْ بعد! ترى في أُمومتِها تحقيقًا أَسمى لمعنى وجودِها في هذه الحياةِ, وتعتبرُ إمكانيةَ حرمانِها من حقِّها هذا مؤامرةً كونيَّةً ضدّها وعدمَ إِنصافٍ تجاهِها... ليس لديها أَي استعدادٍ لقبولِ أَيِّ تفسيرٍ أَو مبرِّرٍ أَو بديلٍ لحقِّها في الأُمومةِ الذي تعتبرُه حقًّا طبيعيًّا.

بعدَ كلِّ مضاجعةٍ لها مع زوجِها ترسمُ صورةً لطفلِها الموعودِ... لونَ بشرتِه، ملمسَ جلدِه وشعرِه، وزنَه وطولَه... وتنعمُ للحظاتٍ طويلةٍ في التعطرِ بعبقِ رائحةِ جسدهِ وبالتمعنِ بتفاصيلِه المرسومةِ في عينِ روحِها والمحفورةِ في صدرِها وعلى مسامِ جلدِها.

بعدَ كلِّ مضاجعةٍ لها مع زوجِها ترسمُ لنفسِها صورةَ عائلةٍ تكبرُ سعادتُها بتزايدِ عددِ أَطفالِها... صورةٌ ربَّما استقتها من مواطنِ الحزنِ في داخلِها ومن مواقعِ الحسرةِ والنقص

ويأتي الحملُ...!

ويأتي إِجهاضُ الجنينِ من تلقاءِ نفسِه دائمًا... هكذا ببساطةٍ من تلقاءِ نفسِه... بكلِّ بساطةٍ!!! وكأَنَّ روحًا أُخرى في داخلِها... لا علاقة لها برغباتِها تقذفُه...

فيتلاشى حلمُها أَن تصبحَ أُمًّا، ويعودُ إِلى الحياةِ كل مرَّةٍ من جديد بعدَ كلِّ مضاجعةٍ ليدغدغَ عشقَها للحياةِ، فيكبرُ مرَّةً أُخرى مع حملٍ جديد...

في أَعماقي الحزينةِ يدٌ تمتدُّ إِلى أَحشائي وصوتُ طبيبٍ رتيبٍ باردٍ كالموتِ يعلنُ: "إِجهاضٌ... المحاولةُ فشلَت!"

هل تستطيعُ يا صديقي أَن تشعرَ بمدى خيبةِ امرأَةٍ بعدَ إِجهاضِها كل مرَّةٍ من جديد؟!

وأَنا يا صديقي امرأَةٌ نجحَتْ أَخيرًا أَن تكونَ حاملًا، الآن في أَحشائي يترعرعُ جنينٌ... من أَحشائي... من داخلي يكبرُ جنينٌ... أَرعاه بكلِّ قواي العقليَّةِ والعاطفيَّةِ والجسديَّةِ... أُطوِّرُه وأَرقبُ تطوُّرَه... أَتحسَّسُ بطني المنتفخةَ... أَعشقُ انتفاخَها... حتَّى العيونَ المتفحصةَ بلا حياءٍ أَو القلقةَ المتوتِّرةَ لا تؤذيني... هل تعلمُ يا صديقي أَنَّ لبطنِ المرأَةِ المنتفخةِ جاذبيةٌ خاصةٌ...؟ إنَّها جاذبيةُ الحياة... جاذبيةُ الاحتمالاتِ الممكنةِ على الحياةِ... شهيٌّ منظرُ البطنِ المنتفخة... دائريَّتُه هي الأمثلُ في التكوينِ الانثويِّ... 

جنيني يتحرَّكُ... أَحيانًا كثيرة يلاعبُني وأَنا أَرقبُه... أُصفِّقُ له... أُشجِّعُه... أَحيانًا كثيرة يحادثُني...أَسمعُه يضحكُ وأَحيانًا يتهيَّأُ لي أَنَّه يبكي فأَقلقُ... يطلبُ أَشياء كثيرةً... يبدو أَنَّه سيكونُ مدلَّلًا عنيدًا ... أُدغدغُه... أُحاولُ تلبيةَ طلباتِه... أَعدُه أَن أُقدِّمَ روحي له... أقصدُ ذلك! أَرجوه أَن يبقى... أُشاركُه أَسراري وأَقصُّ عليه متاعبي، أَفراحي، أَحزاني... أَحكي له  إِنَّ سعادتي ملتصقةٌ به كما هو ملتصقٌ بي وإِنَّ فرحي يتغذَّى من وجودِه كما يستمدُّ هو غذاءَه من دمي

إِنَّه يكبرُ!!!...

في أعماقي الحزينةِ زوجةٌ تنمو بنموِّ جنينِها وحلمُها يصبحُ أَقربِ إِلى الواقعِ... فتهيِّءُ نفسَها لتصبحَ أُما... تشتري الملابسَ لطفلِها الموعودِ... سريرَ النومِ والأَلعابِ... تراه يكبرُ، يحبو، يمشي، يحاولُ أَن يتكلَّمَ...

"الحملُ يتطوَّرُ بصورةٍ طبيعيَّةٍ!" هكذا قالَ الطبيبُ.

"الحملُ مكتملٌ!" هكذا قالَ الطبيبُ.

وككلِّ ولادةٍ تسبقُها لحظاتُ الاستنزافِ...

في أَعماقي الحزينةِ زوجةٌ تحاولُ أَن تكونَ أُمًّا ككلِّ الأُمَّهاتِ... أُمًّا عاديّةً ترى بأَلمِ الاستنزافِ هبةً من الخالقِ، ومن أَجلِ ولادةِ طفلِها تعشقُ استنزافَها هذا وتكونُ مستعدِّةً أَن تستنزفَ العمرَ كلَّه لتحظى بلحظةِ ولادةٍ حقيقيَّةٍ...

الاستنزافُ قاسٍ... الأَلمُ فظيعٌ... جسدي يلتهبُ... يرتعدُ... وأَنا أَضغطُ بشدَّةٍ... أَنا أَعيشُ عمليَّةِ الخلقِ بأَلمِها... بمرارتِها... بحلوِها ولذَّتِها...

أَضغطُ من داخلي... من جذورِ داخلي أَضغطُ ليكونَ الخلقُ... أَعيشُ لحظاتٍ من الوجدِ والفناءِ مع اللهِ، مع الجمالِ...

كلُّ المحيطِ البشريِّ مغروسٌ في أَحشائي تمامًا كالصوفيِّ... أَعشقُ هذا العالمَ الصغيرَ الموجودَ في أَحشائي... كالصوفيِّ في لحظاتِ الوجدِ أَستنزفُ ذاتي من أَجلِ ذاتِ هذا الجنينِ.

الممرِّضةُ تطلبُ جهدًا أَكبرَ... تطلبُ المزيدَ من التعاونِ لكي يخرجَ طفليَ إِلى العالمِ ... طفلي يأبى الخروجَ ويفضِّلُ أَن يبقى لصيقًا بجدارِ بئري العميقةِ... أَن يبقى لصيقَ الصمتِ والعتمةِ

ومن جديد تمتدُّ يدُ طبيبٍ باردةٍ وتنتزعُه معلنةً بصوتٍ رتيبٍ جافٍّ ولادةَ طفلٍ ميِّتٍ!

هل تستطيعُ يا صديقي أَن تشعرَ بمدى خيبةِ امرأَةٍ تلدُ طفلًا ميِّتًا؟؟!!

هل تستطيعُ يا صديقي الآن أَن تفهمَ كلَّ هذا الحزنِ الذي يستوليني؟؟!!

2020-05-09