الجمعة 30/1/1442 هـ الموافق 18/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
كرامات النبي سبلان عليه السلام .... د. روزلاند كريم دعيم

تصادف زيارة مقام النبي سبلان (عليه السلام) هذا العام – كغيرها من الاحتفالات والزيارات والمناسبات – في ظروف احترازية، مما أدّى بالرئاسة الروحية التوحيدية إلى تعليق الزيارة وإغلاق المقام والاكتفاء بزيارة روحانية شخصية كلّ من مكانه.

كان موعد الزيارة في الماضي في الثامن عشر من أيلول، إلّا أنّ الرئاسة الروحية للطائفة المعروفية قامت بتحديد موعد الزيارة في العاشر من أيلول، ومنذ العام 1965 أصبحت الزيارة رسمية وعيدًا مُعترفا به.

يقع مقام النبي سبلان (ع) في الجليل الأعلى، على أنقاض قرية سبلان المهجرة، وهو عبارة عن مغارة تقع على جبل سبلان جنوبي حرفيش، الذي يرتفع عن سطح البحر حوالي 900 م. وغير مرتبط بأي سلسلة جبال.

لاسم المقام تفسيرات عديدة منها أنّ اسم المقام مشتق من سِبلة sebla الآرامية ومعناها السنبلة أو sebel ومعناها السلم. ويُقال إسْبَل القمح أي ظهرت فيه السنابل (فريحة). وقد تكون من سبّل تسبيلًا أي جعله في سبيل الله، أي كرّسه في سبيل الخير (القباني مادة سَبَل).

النبي سبلان (ع)

من أنبياء الله الموحدين الدروز، دعا الناس للخير والصلاح، حضر نحو سنة 996 م من مصر إلى الديار المقدسة واستقر في الجليل الأعلى.

سكن سبلان وتعبّد في مغارة. كان يشرف على سلامة أهل المنطقة وأمنهم، ويتدخل حين اقتضى الأمر. كان هدفه نشر رسالة التوحيد بين المؤمنين في المنطقة ففرض احترامه على الجميع فصار الحاكم والقاضي وقت الحاجة.

اشتهر أنّه يشفي قطعان الماعز، وقد درجت العادة أنْ يزور أصحاب الماشية المغارة مع قطعانهم، وكل رأس يقف على باب المغارة يكون موقوفًا عليها فيقال "هذا مربوط لسبلان"، بالإضافة إلى أنّ المؤمنين اعتادوا على حفظ أماناتهم في المقام (عراف). 

تردّدت الآراء حول أصله فقيل إنه زبولون عند اليهود، الابن السادس ليعقوب وليئة – وإنْ كانت المصادر اليهودية لا تعترف به – وسابا لدى المسيحيين (ت. 532 م، ورفاته في دير مار سابا جنوب بيت لحم)، إلا أنّ جميع هذه الآراء وغيرها غير متفق عليها ولا نجد لها مصادر مثبتة، كما أنّ الموحدين لا يعتمدونها رسميًّا (عراف).

بعد وفاته تمّ دفنه في المغارة، فلاحظ أهل المنطقة حدوث كرامات في المكان، لذلك جعلوه مزارًا للتبرُّك والطلب والصلاة وإيفاء النذور، يزوره المؤمنون من جميع الطوائف ويحترمه أهل المنطقة ويتبركون به وبزيارته. وكغيره من مقامات الموحدين المعروفيين يشهد المقام الزيارة العامّة في عيد النبي سبلان (ع) وهي الزيارة الاحتفالية بكل مركّباتها الدينية والاجتماعية والزيارة الخاصّة التي يقوم بها الأفراد – من موحدين وغيرهم - في العيد أو خلال سائر أيام السنة.

وردت أكثر من رواية حول بناء أوّل قبة على المغارة؛ تعتمد الرواية الأولى على حلم أحد السكّان بأنّ النبي سبلان يطلب منه بناء قبة، وفي رواية أخرى أتى سليمان الحريري (القرن 13) من مصر بناء على طلب سبلان في الحلم لبناء قبة على المغارة.

بين القصص العامّة والقصص الخاصّة

القصص المتداولة عن كرامات النبي سبلان (ع) كثيرة ومعروفة لدى السكّان المحلّيين من المعروفيين وغيرهم، ولكن هذا لا ينفي وجود مئات لا بل آلاف القصص الخاصّة بالزائرين والمؤمنين عن طلبات ومعجزات وكرامات حصلوا عليها بنفسهم من النبي سبلان أو بشفاعته. هذه القصص الخاصّة تُعتبر إرثًا ثقافيًّا حضاريًّا تنتظر من يقوم بجمعه وتوثيقه.

 

 

 

 

ومن القصص العامّة (وردت في: عراف، 1993؛ عزام وفلاح، 1979؛ أعيادنا، 2016): 

قصة عين الدِرِّة

عين الدِرِّة هي واحدة الينابيع التي تحيط بجبل سبلان، وتنبع في السفح الشرقي من الجبل، ويعتقد المؤمنون أنّ لمياهها خاصية فريدة من نوعها. وكان من عادة المرضعات، إذا شحَّ حليب إحداهن، أنْ تغسل ثدييها بماء هذه العين، فتدرّان ويكثر حليبهما.

قصة وادي الحبيس

تصب الينابيع المحيطة بجبل سبلان في وادي الحبيس الذي يجري إلى الجنوب منه، وهو بداية وادي القرن. وعن سبب إطلاق هذا الاسم على الوادي يقال إنّ النبي سبلان (ع) تعرض مرة لاضطهاد من كفروا برسالته، فاضطر إلى الهرب منهم، فطاردوه للإيقاع به، وعندما وصل إلى سفح جبل سبلان، أوشكوا على اللحاق به، فابتهل إلى ربّه طالبا النجاة منهم، فانهمر مطر غزير، وحدث سيل عارم، رفع منسوب المياه في الوادي إلى حد حبس المضطهدين عنه ومنعهم من أنْ ينالوا منه بسوء. وبحسب الرواية فقد حدثت هذه القصة في فصل الصيف مما يؤكد أهمية الحدث والكرامة التي حظي بها سبلان.

قصة البليلة

يروى أنّ سكّان قرية حرفيش كانوا يسلقون القمح على عين وادي الحبيس، وينشرون الحَبّ المسلوق (البَليلة) على الصخور المحيطة بالوادي حتى يجف.

وفي إحدى الليالي، تمكن أحد اللصوص، في غفلة من أصحاب "البليلة"، أنْ يتسلل ويملأ كيسًا بالحَبّ ويحمله على ظهره ويفر هاربًا وهو يظن أنّه قد فاز بالغنيمة. ظل يسير الليل بطوله إلى أنْ بزغ الفجر فوجد نفسه يدور ويحوم في نفس المكان لا يستطيع الابتعاد عنه. وكان أصحاب الحَبّ قد استيقظوا فقبضوا عليه واسترجعوا حبوبهم. منذ ذلك اليوم صار سكّان حرفيش يتركون البليلة في وادي الحبيس بدون حراسة، فلا يجرؤ أحد أنْ يأخذ منها أو يمسها.  

قصة عنزات النبي سبلان (ع)

كان لدى النبي سبلان (ع) قطيع من الماعز يعتاش منه، وكان القطيع يتوجه تلقائيًا إلى المرعى ويعود في المساء لوحده دون أنْ يجرؤ على حيوان أو إنسان أو يتمكن من ذلك. وكان ذلك القطيع منسجما مع بعضه ولا تبتعد العنزات عن القطيع بتاتا، مما يتم تفسيره على أنّه من معجزات النبي سبلان (ع). ومن هنا جاء المثل "هل عنزاتك مثل عنزات النبي سبلان؟" أي هل تترك قطيعك دون راع كأنّه قطيع النبي سبلان؟

قصة شجرات النبي سبلان (ع)

تنمو أشجار عديدة ومتنوعة على سفوح جبل سبلان، وخاصة أشجار السنديان. ويُحكى أنّ النبي سبلان (ع) كان يترك كهفه الموجود على رأس الجبل وينزل ليستظل ويتعبد في ظِلال شجرات عالية. وفي أحد الأيام نشب حريق كبير تمكن من حرق جميع الأشجار في الجبل، ولكن عندما وصلت النار إلى الشجرات التي كان النبي يستظل تحتها، انطفأت النار وسَلِمت الأشجار وما زالت هذه الأشجار حتى اليوم خضراء شاهقة.

قصة السارق الذي انعقد لسانه

قيل إنّ سارقًا حلف يمينًا كاذبًا في مغارة النبي سبلان (ع)، فخرج منها وقد "انعقد لسانه". ولم يتم شفاؤه إلا بعد أنْ اعترف بذنبه، وأعاد المسروقات لأصحابها، وتاب وتصدق للمقام.

 

زيارة مقبولة

كل عام وأنتم بخير

2020-09-11