الثلاثاء 5/6/1442 هـ الموافق 19/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قراءة الأستاذة رجاء بقالي لنص الثعابين لا تقبل الهزيمة لبدوي الدقادوسي

بين السادية و الماسوشية ،يقف السارد البطل، أمام مرآة ذاته، يتحايل عليها تمويها ليخلصها من ضربات الضمير و مطرقة الشعور بالذنب، في سرد مشهدي كسر اللحظة القصصية، ما بين بداية ستكون هي النهاية ، و نهاية هي دون شك البداية، ما أضفی علی الشخصية سمات الكونية كذات وجودية تعاني قلق الغربة، و وحشة متاهات النفس و صراعاتها الخفية، سرد دائري اجاد من خلاله الكاتب لعبة الحكي رسما و تصويرا و توغلا في الذات، معتصرا جوهر الحياة في حب البقاء، حيث السارد البطل يقف في نقطة احتدام الطبيعي الفطري، بالثقافي الأخلاقي، إضافة إلی الحمولة النفسية اللاواعية الهائلة و الآتية من الماضي السحيق للاوعي الفردي و الجماعي، لتكون المسافة بين نقطة البدء و نقطة الوصول، رحلة وجود خاسرة، و يكون الانتصار علی (ثعبان) الذات الذي جسده المشهد الأول، مجرد وهم سرعان ما تغتاله النهاية في مشهد صادم لوعي السارد و هو يحملق دهشا في شاشة الجوال، باحثا عن صورة الثعبان التقطها الی جانبه، ليكتشف بأنه لا ثعبان الا هو، و إلا الانسان المسكون بدوافع غريبة و مرعبة تجعل منه الجلاد و الضحية في نفس الوقت.

هكذا تتكرر العبارة المعبرة جدا في النص: "الثعابين لا تعترف بالهزيمة" تلك الاطلالة لثعبان ذاته، لميوله الجنسية الغارقة في الضبابية، و التي تبدأ بالعلاقة بأمه، ذلك الرباط القوي الذي يتجسد في مشهد طفولي، لعله ذلك الحنين الی رحم الأم، في تجلٍّ خجول لعقدة أوديب، و ذلك الالتحام الحميمي بها، الذي وحده يجنبه الخوف و الأذی في نفس الوقت.

من هنا تكرار هذا السؤال: "أين لي بقبقاب أمي؟"

اتصور أن بنية النص تتأسس علی هذا التضاد اللافت بين قطبي الذات في صراعها من اجل البقاء: التظاهر بالقوة و النزوع الی الشر، و في المقابل، ذلك الرعب الباطني و الخوف من الهزيمة و الانكسار، ممثلا بالالتصاق الحميمي بالأم، المتمظهر غريزيا في سلوكات البطل حين وقع طفلا تحت تأثير جسد طفلة المدرسة، مع ما يلازم ذلك من شعور بالذنب يتمثل في كل مرة بالثعبان الوهمي المتجسِِّد قرينا يعاقبه في سادية، تخييلا عبر استيهامات رمزية، لكنه لا يدري انه يعاقب ذاته ، يجلدها في ماسوشية مرعبة لا تتوفف لما تجلبه من لذة . هكذا يتوالی الشعور بالخوف لاحقا علی علاقات البطل بالعمل في بلده او خارجه إثر شعوره بما قد يكون اتركبه من أخطاء. لاشك أن القصة القصيرة و هي تمسك بالمشهد، تقتلعه من سيرورة الزمن الرتيبة، و تطوِّح به في اﻻمكنة الشاحبة، لاشك انها مطالبة بإجادة اللعب في مناطق الحدود بين الأضداد، فلا حقيقة الا وهي تقترن بالوهم، ولا يقظة الا مع الحلم، ولا واقع الا وقد غدا ذلك المتخيّٓل، و لا وعي إلا و قد وقع أسيرا في قبضة اللاوعي. وهذا ما يفسر ربما ذلك التداخل بين الماسوشية و السادية في الشخصية المضطربة القلقة كما شخصية بطل قصة "الثعابين لا تعترف بالهزيمة" ، هذا العنوان الموحي بدلالات سيكولوجية و فلسفية عميقة قد يكون السؤال الموحي ايضا و بعمق "أين قبقاب أمي ؟"

هو العنوان البديل الذي يماثله جمالا و عمقا، لقصة قصيرة، يمكن اعتبارها، بشاعريتها الخفيفة، وتلك الألاعيب للوعي و اللاوعي، و من خلال السرد السلس، أقربٓ للغنائية الحزينة علی مسرح الحياة القاسي. و مع السارد ، سنردد كما لو كنا ننشد في كورال البقاء: الثعابين لا تعترف بالهزيمة .. أين لي بقبقاب أمي؟ الثعابين لا تعتتترفف أين لي بققاب أ..؟ الثعابي........ قصة المشهد الكبير للوجود الانساني بين الطبيعي و الثقافي، تؤلف مشاهده الصغيرة قلق الذات ، و صراعاتها النفسية الضاربة في أعماق اللاوعي.

كل التحايا للأستاذات و الأساتذة الفضلاء ..

شكرا جزيلا للأستاذ الأديب بدوي الدقادوسي.

2021-01-08