الجمعة 16/11/1440 هـ الموافق 19/07/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أعرف عدوك...أحمد طه الغندور

 

 لا شك أنني ممن تأثر في شبابه بالمطبوعات التي كان يصدرها مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة والتي جاءت تحت عنوان " أعرف عدوك "، والتي أمدتنا بالكثير من المعارف حول "العدو الصهيوني".

لكننا اليوم نشهد بأن هذا العدو قد أخذ أشكالاً ومسميات عدة، تارةً هو غربي تقوده "المسيحية ـ الصهيونية"، وتارة هو شرقي يلبس "الدشداشة والعقال" يلهث خلف الأول حرصاً على رضى سيده.

وربما نراه في دول الجوار يسعى إلى طردنا من وطن نحن شاركنا في بنائه ونهضته، أو قد يكون هو الأخ في الدين والوطن والجرح، لكنه يرفض أن نشاركه في إدارة الوطن.

غريب شكل العدو هذه الأيام!

هل هو المتربص بنا أم هو في داخلنا؟!

إذاً؛ كيف لنا أن نحارب عدواً نحن لا ندرك كنهه؟

فمن هو العدو؟

ولو أردنا تعريف العدو يمكن القول بأنه: " مصطلح نسبي يستخدم لوصف كينونة تمثل خطراً أو تتصف بأفكار مضادة، فكلمة العدو تمثل نموذجاً خاصاً "للآخر" فكل عدو هو "آخر" لكن ليس كل "آخر" هو عدو.

فالعدو ينشا فقط لدى الاعتقاد بوجود اختلافات جوهرية "بيننا" و"بينهم" مع ربط هذه الاختلافات بتمييز مواز بين الخير (نحن) والشر (هم)، وهو ما يؤدي عادة إلى نزع الطابع الإنساني عن الآخر العدو، وبالتالي سيادة النمط العدائي العنيف في التعامل مع الآخر في هذه الحالة ".

وعودة إلى شعار " أعرف عدوك " فلعل الحكيم الصيني "صن تزو" من أوائل من لجأ إلى استخدام هذا الشعار كون هذه المعرفة في نظره فيصلاً ما بين النصر والهزيمة، بل إنها إذا ما استخدمت بشكل استراتيجي يمكنها حسم الصراع بدون معركة، وهي ليست شرطاً للنصر فقط، وإنما أداة للصراع معه.

لذلك يرى "تزو" أن هذه المعرفة ليس من السهل تحصيلها، ولكن يمكن مقاربتها من خلال الإجابة على مجموعة من الأسئلة تتمثل في؛ كيف ندرس العدو؟ وماذا ندرس فيه؟ وكيف نكون منظوراً تحليلياً لفهمه؟ وما دور هذه المعرفة وأثرها في الصراع معه؟ وكيف للعدائية ألا تكون حاجباً لمعرفته الحقيقية؟ وفي الوقت ذاته، كيف للمعرفة به ألا تتحول إلى وسيلة للتصالح مع العدو؟

ومن الجدير بالذكر أن الفيلسوف "تزو" ما أورد "معرفة العدو" إلا وذكر معها معرفة الذات، في علاقةٍ جدليةٍ تحدد نتيجتها نتيجة الصراع. وكأن التعرف على " الآخر" هو في ذات الوقت، تعرّف على الذات أو النفس.

هنا، لا بد لنا أن نتعمق أكثر في معرفة العدو، أو قل في معرفة الذات!

هل تصالحنا معه؟ أم بقيّ هو العدو؟

وهل سنتصالح مع بني جلدتنا؟ أم سنبقيهم هم العدو؟

أسئلة برسم الإجابة، كي نحسن الإصغاء إلى النداء " أعرف عدوك " أو لعلني أقول: " أعرف ذاتك "!

أخيراً، رحم الله شاعرنا الفذ " محمود درويش " أقلقه هذا "العدو" فقال: ــ

" لكن القتلة هم الذين يتشابهون.

فَهُم واحدٌ مُوزَّعٌ على أَجهزة معدنية.

 يضغط على أزرار إلكترونية.

 يقتل ويختفي.

 يرانا ولا نراه، لا لأنه شبح، بل لأنه قناع فولاذيّ لفكرة ... لا ملامح له ولا عينان ولا عمر ولا اسم.

 هو ... هو الذي اختار أن يكون له اسم وحيد: العَدُوّ!

2019-07-19