الثلاثاء 20/11/1445 هـ الموافق 28/05/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
فرنسا وسر الطلقة الأولى ضد القذافي!

سارعت فرنسا في 19 مارس 2011 إلى التدخل العسكري بليبيا تحت غطاء قرار مجلس الأمن رقم 1970 وأرسلت 20 طائرة حربية من مختلف الأنواع لتنفيذ عمليات قتالية في شرق البلاد ضمن حملة الناتو. 

قرار مجلس الأمن رقم  1970 كان صدر في 26 فبراير 2011 على خلفية القلاقل التي جرت في ليبيا وخاصة في مدينة بنغازي فيما يسمى بالربيع العربي الذي ضرب تونس ثم مصر فليبيا.

هذا القرار كان سمح "للدول الأعضاء كافة باتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية المدنيين والمنـاطق الآهلة بالسكان المدنيين المعرضين لخطر الهجمات في ليبيا بمـا فيهـا بنغازي".

الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي آنذاك استغل فرصة عودة بلاده إلى القيادة العسكرية لحلف الناتو في عام 2009، واختط طريقا جديدا للمستقبل بعيدا عن النهج الديغولي المستقل والرافض للهيمنة الأمريكية، وكان يعتقد أن ليبيا ستكون بوابة كبيرة للمصالح الفرنسية. 

انكشف ذلك بعد نشر مراسلات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون في عام 2015 على خلفية التحقيقات في اغتيال السفير الأمريكي في مدينة بنغازي عام 2012.

إحدى تلك المراسلات السرية التي تبادلتها كلينتون عبر بريد خاص مسجل باسمها قبل توليها المنصب، تقول إن ساركوزي "يخطط لجعل فرنسا تقود الهجمات على القذافي على مدى فترة طويلة من الزمن.. ويرى في هذا الوضع فرصة لفرنسا لإعادة تأكيد نفسها كقوة عسكرية".

عملية الحظر الجوي في ليبيا أو ما سمتها الولايات المتحدة "فجر الأوديسا" وفرنسا "هارماتان" بدأت على عجل، وكما تقول بعض التقارير "قبل أن يجف الحبر تقريبا الذي كتب به قرار مجلس الأمن"، بغارة نفذتها طائرة ميراج فرنسية استهدفت سيارة "مشبوهة". 

يعد الغارات الجوية الفرنسية انطلقت الطائرات البريطانية والأمريكية في تنفيذ عمليات قصف مكثف في ليبيا، كما أطلقت السفن والغواصات الأمريكية 114 صاروخ توماهوك على أنظمة الدفاع الجوي الليبية، فيما زعم رئيس الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية الأدميرال مايكل مولين، أن أهداف حملة  الناتو في ليبيا محدودة وليست من أولوياتها الإطاحة بالقذافي.

فرنسا استعملت في تدخلها العسكري في ليبيا قاذفات رافال ومقاتلات ميراج 2000، وطائرات للتزود بالوقود وطائرات الاستطلاع المزودة برادارات شف بعيدة المدى، وتركزت عملياتها الأولى حول مدينة بنغازي الواقعة شرق ليبيا، وكانت القوات الحكومية في ذلك الوقت على أبواب المدينة لاسترداها بعد سيطرة المناهضين عليها. القوات الجوية الفرنسية دمرت آليات الرتل المهاجم، واعتقدت باريس أنها أمنت لنفسها الأولوية في هذا البلد. 

باريس تحت قيادة ساركوزي استخدمت استخباراتها وجواسيسها لتحقيق مشروعها في ليبيا كما يظهر ذلك من مراسلات كلينتون، حيث ذكرت وثيقة مؤرخة في 22 مارس 2011 أن ضباطا من المديرية العامة للأمن الخارجي "الاستخبارات الفرنسية"، عقدوا سلسلة اجتماعات مع شخصيات قيادية في الانتفاضة ببنغازي وقدموا لهم دعما معنويا وماديا لتشكيل مجلس، ووعدوا على لسان الرئيس الفرنسي حينها نيكولا ساركوزي باعتراف باريس به كحكومة جديدة بمجرد إعلانه.

بالمقابل بحسب نفس المذكرة، أوضح مسؤولو الاستخبارات الفرنسية الخارجية أنهم يتوقعون أن تعطي الحكومة الليبية الجديدة "الأفضلية للشركات الفرنسية والمصالح الوطنية، خاصة فيما يتعلق بصناعة النفط في ليبيا". 

مذكرة أخرى بتاريخ 5 مايو 2011، نقلت عن مقربين من المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا أن مديرين رفيعين من شركة توتال الفرنسية ومن شركة البناء الكبيرة فينشي ومن شركة الطيران والدفاع الأوروبية قاموا برحلات "إنسانية" إلى بنغازي، وأن مندوبين عن شركات فرنسية كبيرة أخرى على علاقة وثيقة بساركوزي قاموا لاحقا برحلات برية إلى هناك نظمت تحت حراسة ضباط مسلحين من الاستخبارات الخارجية الفرنسية.

مراسلات كلينتون كشفت أيضا في وثيقة مؤرخة في سبتمبر 2011 قبل شهر من مقتل الزعيم الليبي معمر القذافي وانتهاء عمليات الناتو في هذا البلد، أن ساركوزي أبلغ الليبيين بأرقام محددة عما ينتظره من ليبيا، مشيرا إلى ضرروة نقل 35 بالمئة من صناعة النفط المحلية إلى الشركات الفرنسية الكبرى.

 تلك المراسلات ذكرت أيضا أن الاستخبارات الفرنسية اكتشفت نهاية مارس 2011 خطة للقذافي بشأن نقل 143 طنا من الذهب إلى سبها في جنوب غرب البلاد، وهي تقدر بأكثر من 7 مليارات دولار. هذه الكمية من الذهب بحسب المراسلات كانت مخصصة لإصدار عملة إفريقية تعتمد على الدينار الذهبي الليبي، وهذا الأمر "كان أحد العوامل التي أثرت على قرار الرئيس نيكولا ساركوزي بمهاجمة ليبيا". 

بنهاية المطاف، قتل القذافي بالطريقة الموثقة بكاميرات الهواتف النقالة في 20 أكتوبر 2011، وانتهت حقبة 42 عاما من حكمه، فيما دخلت ليبيا في فوضى عارمة وانقسام لا تزال تحاول دون جدوى الخروج منه حتى الآن.

أحلام فرنسا في ليبيا أيضا لم تتحقق. دمرت مقدرات البلد واختل الاستقرار به، وبقي النفط الليبي بعيدا عن متناول باريس. الأمر اللافت أن نوايا فرنسا المغرضة من تدخلها العسكري في ليبيا وحماستها الشديدة للإطاحة بالقذافي مرت بسلام وسط ضجيج التهليل بالتخلص من القذافي ونظامه الذي كان معاديا للغرب.  

 المصدر: RT

2024-03-19