دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الأربعاء 15/1/1440 هـ الموافق 26/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الشهيد جلال كعوش...أيقونة النضال الوطني والقومي....محمود كعوش

 الشهيد جلال كعوش...أيقونة النضال الوطني والقومي

شهيد حركة "فتح" الأول في لبنان

(1924- 9/1/1966)

 

محمود كعوش

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(ولَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.)

صدق الله العظيم

 

تعاقبت السنوات وكبرت نكبة فلسطين - 1948  "حتى بلغت من العمر عتيه". ومعها تعاقبت الأجيال اللبنانية، كما الأجيال الفلسطينية، جيلاً بعد جيل، ولم تَضق بها مدينة، أو بلدة، أو قرية، أو حي، أو بيت، أو شارع، أو زاروب، أو شبر واحد على مساحة الأرض اللبنانية البالغة 10452 كيلومتراً مربعاً، ولا تعادت أو تخاصمت معها طائفة، أو مذهب، أو حزب، أو جماعة على وسعِ هذه المساحة، إلا في حدود ضيقة جداً ونادرة جداً، وغالباً ما كانت فردية ولغايات شخصية وأنانية، أو لمصلحة خارجية، ولا أذكر أنها كانت في يوم من الأيام جماعية.

لكن المتاعب اللبنانية - الفلسطينية بدأت مع أول "خطيئة كبرى"، من وجهة النظر اللبنانية الرسمية، ارتكبها شابٌ فلسطيني من سكان مخيمات اللجوء الفلسطينية المنتشرة فوق الأراضي اللبنانية، عندما استهدف الأراضي الفلسطينية المحتلة بعبوات يدوية من خلف الحدود، وقام بعملية فدائية استهدفت وكراً من أوكار الصهاينة الأنذال الذين اغتصبوا تلك الأراضي المباركة "بمنطق" القوة والقتل والتدمير وارتكاب المذابح والمجازر وسفك دماء الأبرياء بدم بارد، وبلا مبرر أو مسوغ أو وازع من ضمير، وأقاموا لأنفسهم كياناً مسخاً مصطنعاً أسموه "إسرائيل".

حدث ذلك في منتصف القرن العشرين الماضي، وكانت العاقبة "وخيمة وفظيعة" على هذا الشاب الذي كان متوقداً وطنية واندفاعاً وحماسةً، ومتشبثاً بأرض الآباء والأجداد إلى أقصى الحدود، ابن بلدة "ميرون" في الجليل الأعلى الشهيد البار "جلال كعوش". فقد فارق جلال الحياة بسبب المعاملة البربرية التي تعرض لها وتحت التعذيب الوحشي والضرب المبرح اللذين لقيهما من ضباط وأفراد "دائرة الشعبة الثانية" التابعة للجيش اللبناني في العاصمة بيروت.

وكما في كل حادثة مماثلة لم تنفع العقوبة التي طُبقت على "الجرم الذي اعتبرته السلطة اللبنانية من الكبائر المحرمة"، بحكم ارتباط هذه السلطة مع سلطة الاحتلال الصهيوني في فلسطين باتفاقية دولية حملت تسمية "اتفاقية الهدنة" كانت قد عقدت بينهما إثر نكبة فلسطين 1948 مباشرة، لأنها لم تُؤتِ أُكلَها بالنسبة للسلطة اللبنانية، ولم تُثنِ الشبان الفلسطينيين في المخيمات عن قرار مواصلة الكفاح الوطني المسلح عبر الحدود الفلسطينية مع لبنان وجميع البلدان العربية التي أطلقت عليها تسمية "دول المواجهة"، سعياً لتحرير وطنهم من براثن المحتلين الصهاينة.

صحيح أنه وفق العرف اللبناني الرسمي، كان "من حق قيادة الجيش اللبناني، ومن واجبها، أن لا تسمح لأي كان أن يخرق، لأي سبب أو دافع، اتفاقية الهدنة الدولية الموقعة بين لبنان وكيان العدو، فيوفر لسلطة الاحتلال ذريعة أو مسوغاً لشن عدوان على لبنان"، علماً أن هذه السلطة المجرمة لم تكن في يوم من الأيام بحاجة لذرائع أو مسوغات لشن عدوان هنا أو هناك في لبنان أو غيره من البلدان العربية. لكن الصحيح أيضاً أنه كان من حق الجماهير اللبنانية والفلسطينية أن تقوم بتظاهرات احتجاج ودعم لقضية الشعب الفلسطيني الممثل آنذاك بالشاب الشهيد الضحية "جلال كعوش".

ومنذ تلك الحادثة نشأت حالة نزاع مع السلطات اللبنانية على حق الفلسطينيين وأنصار قضيتهم من اللبنانيين بالكفاح المسلّح ضد الكيان الصهيوني عبر الحدود اللبنانية - الفلسطينية.

 

هكذا عرفت الشهيد

عرفتُ الراحل الكبير الشهيد جلال كعوش "أبو فاروق" مذ حطت بنا رحال النكبة واللجوء في مخيم المية ومية شرق مدينة صيدا في الجنوب اللبناني، أي أنني عرفته منذ طفولتي ومع بدء وعيي على الدنيا، لأننا كنا من عائلة واحدة، وننتمي لوطن واحد، ونحمل دماً واحداً، ومن مخيم بؤس وتشرد واحد"، وكنا على تماس يومي متواصل، وكنت وأولاده أقرباء ورفاق طفولة ودراسة ولعب و"شيطنة" وممارسة نشاطات متنوعة على صعد مختلفة، وكنا جميعاً نحمل أحلام العودة بكثير من الصبر والأمل.

كان جلال شاباً قوياً، وسيماً، أنيقاً، مؤمناً، ومتديناً لكن باعتدال. وكان باراً بعائلتيه الصغيرة والكبيرة، وبوطنه الكبير من المحيط إلى لخليج، بما في ذلك فلسطين السليبة طبعاً. وكان يتوقد فطنةً ووطنية وحيوية، كما كان شاباً مندفعاً، لكن بتعقل وتوازن واتزان وحكمة وبعد بصر وبصيرة وصبر وأناة.

كان أبناء عائلة "كعوش"، الذين كانوا يشغلون القسم الجنوبي - الغربي من المخيم المذكور، يحملون له مشاعر الحب والاحترام والتقدير، وكذلك كان جميع أبناء المخيم، كما كان أبناء بلدة المية ومية من اللبنانيين يحملون له ذات المشاعر أيضاً.

ومن مخيم وبلدة المية ومية تمدد حب الناس واحترامهم لجلال ليشمل مخيم عين الحلوة وجميع المخيمات الفلسطينية دون استثناء، وحيث وطأت قدماه فوق الأراضي اللبنانية، وبعد ذلك حيث وطأتا في الأراضي العربية. وبإيجاز، كان الشهيد جلال قدوة ومثلاً أعلى لأبناء جيله من الكبار والصغار حيث حلَّ وارتحل ورُحِلْ، كما أصبح كذلك بالنسبة للأجيال التي تعاقبت في ما بعد.

 

الحكاية مع المحامين والأطباء

أذكر أنني يوم ارتكب أفراد من "المكتب الثاني" التابع للجيش اللبناني جريمة اغتيال أيقونة النضال الوطني والقومي الشهيد جلال كعوش وطلبوا من العائلة استلام جثمانه، في يوم مبارك في التقويم وحزين جداً في التوقيت، في مطلع عام 1966، كنت واحداً من أفراد وفد عائلة آل كعوش، الذي أوكلت إليه مهمة التحرك العاجل لمواجهة الموقف الطارئ والتعامل معه وفق ما يتطلبه الواجب العائلي والوطني والقومي، ووفق ما تقتضيه الضرورة ويستحقه الراحل الكبير.

يومها قصدنا مكاتب عدد من كبار المحامين اللبنانيين في العاصمة بيروت لغرض تكليفهم باستلام قضية الشهيد، إلا أن أحداً منهم لم يجرؤ على قبول التكليف، وكانت حجتهم جميعاً واحدة "سلطة المكتب الثاني هي فوق جميع السلطات في لبنان، ومن يغامر بمهمة مثل هذه يلقي مصيره المحتوم"!!

ومن بين هؤلاء المحامين كان البرلماني السابق والمحامي الكبير ذائع الصيت في ذلك الوقت الأستاذ محسن سليم، الذي كان متصالحاً مع نفسه ومع العهد أيضاً، "عهد الرئيس اللبناني الأسبق شارل حلو الذي كان امتداداً لعهد الرئيس اللبناني الذي سبقه فؤاد شهاب"، وكنت على معرفة به وعلى صداقة مع عدد من أفراد عائلته المقيمين في "الغبيري"، في الضاحية الجنوبية من بيروت.

يومها لم نجده في مكتبه، فقصدناه في منزله الذي كان كائناً على مسافة قريبة من "ساحة الغبيري". وعندما عرضنا عليه قضية الشهيد جلال وطلبنا منه استلامها، رد، بعد إبداء أسفه واعتذاره قائلاً "يهمني أن أبلغكم أنكم لن تجدوا من يحمل قضيتكم بين المحامين، ولن تجدوا من يغامر بحياته ويواجه المكتب الثاني"، مضيفاً "أنصحكم بلملمة جراحكم والعض عليها ودفن الشهيد بهدوء وبلا ضجة، لأن ضجتكم إن حدثت ستكون بلا طائل".

وعلى ضوء نتائج الاتصالات مع المحامين ارتأى بعض أفراد وفد العائلة مواصلة الاتصالات وعدم دفن جثة الشهيد إلى حين العثور على المحامي "المغامر" أو "الفدائي" الذي يتبنى القضية ويمضي بها حتى تبيان الحقائق، لكن البعض الآخر فضلّ الأخذ براي المحامي سليم والمحامين الآخرين، فأقيمت مراسم التشييع ودفن الشهيد وفق الأصول، بعد موكب مهيب جاب مدينة صيدا والمخيمين الفلسطينيين المجاورين وبلدة المية ومية طبعا.

وبعد ذلك تم الاتصال بالطبيب اللبناني من أصل فلسطيني "عبدالله لاما"، الذي كانت عيادته تقع عند مدخل مخيم "برج البراجنة" وعُرضت عليه قضية الشهيد، فتبرع بحمل لوائها على الصعيد الطبي، والمضي فيها حتى النهاية. لكن ذلك حدث بعد أن كان جلال قد وري الثرى في مقبرة مدينة صيدا، جنوبي لبنان.

الطبيب لاما أجرى اتصالات عاجلة مع أصدقاء له في السلك الطبي اللبناني، من بينهم أطباء في الجامعة الأمريكية، وشكل مع نفر منهم "لجنة طبية" قررت التوجه إلى المدينة والقيام بنبش قبر جلال وتشريح جثته، ومن ثم أصدرت تقريراً طبياً دحضت فيه كل مزاعم "المكتب الثاني" وأثبتت بما لم يدع مجالاً للشك أن جلال قضى شهيداً تحت التعذيب الوحشي الذي تعرض له على أيدي أفراد من المكتب الثاني، لا كما ادعت الجهات اللبنانية الرسمية آنذاك أنه "قضى بالسكتة القلبية"، وخلاف ذلك من الادعاءات الباطلة.

والبقية تأتي......

 

محمود كعوش

كاتب وباحث فلسطيني مقيم بالدنمارك

[email protected]

2018-09-25