الثلاثاء 27/10/1442 هـ الموافق 08/06/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
كلمة الكاتب والمحلل السياسي تميم منصور في حفل تكريم المحامي علي رافع بنادي حبفا الثقافي

الحضور الأفاضل مع حفظ الأسماء والألقاب 
بادئا ذي بدء لا بد الا أن نقدم كل آيات الشكر والثناء لنادي حيفا الثقافي  هذا الصرح المميز ليس فقط بقدسيته الدينية بل لقدسيته الثقافية لأنه رفع من منسوب الثقافة والفكر في الداخل الفلسطيني ، وحرك البحيرات الراكدة، وها هي عجلات الفكر والثقافة تعود بعد أن تراجعت بعض الشيء  بسبب الظروف القاهرة ليس من السهل تجاهلها ، من جائحة الكورونا إلى الصدامات التي قادتها عصابات اليمين الفاشي ، هنا في مدينة حيفا وكافة المدن المختلطة ، كان الهدف من الهجمة الوحشية إكمال ما قامت به العصابات الصهيونية عام 1948 وهو افراغ المدن العربية من كل سكانها العرب، لكن حيفا كغيرها من المدن المختلطة ، أثبتت أن الروح والهوية الفلسطينية لم تغادرها بل بقيت في كل شارع وزاوية وبيت وحجارة تنبض بتاريخها ، ان سياسة التمييز القومي جعلت المواطن العربي الفلسطيني يشعر دائماً بأنه متهم وعليه ان يُثبت براءته وإخلاصه لمن اغتصبوا أرضه، وفي هذا المقام السامي اسمحوا لي أيها الاخوة أن نرحب بسيادة المطران عطالله حنا لأنه يقف دائما في الخط الامامي للتصدي لكل ممارسات العنصرية بشجاعة وجرأة ،لنصرة الحق الفلسطيني وفي تثبيت عروبة القدس وأهميتها لكافة الديانات . 
أيها الجمهور الكريم : كم أسعدني المشاركة في حفل تكريم الأخ الصديق المحامي علي رافع أحد رموز الحركة الوطنية القومية الناصرية في هذا الوطن ، وأحد الشهداء الأحياء الذين طاردهم الحكم العسكري مع رفاقه الطلائعيين القوميين الذين كان لهم الفضل في ايقاد شعلة اليقظة القومية وكانت خطوتهم الاولى إقامة حركة للحفاظ  والدفاع عن ما تبقى من أرض الآباء والأجداد وأطلقوا عليها " حركة الأرض " لم يكن اسمها حركة الكفاح أو حركة التحرر ، لكن المغتصب الذي سيطر على الأرض التي كانت الحركة تسعى لإعادتها إلى أصحابها الشرعيين سارع إلى منعها ووضعها في خانة " الممنوع " وسجن بعض أعضائها، محاولاً نزع هواء الأرض من رئة الشعب . 
أيها الأخوة الأفاضل : مهما استعرضنا من كتب التاريخ لم نجد أي شعب في العالم أقام مؤسسات وجمعيات وحركات ونوادي ونقابات باسم الأرض سوى الشعب الفلسطيني ، مثل حركة الأرض ، يوم الأرض ، لجنة الدفاع عن الأرض ، محامو الأرض ، خيام أقيمت من أجل الدفاع عن الأرض ، اعتصامات من أجل عدم مصادرة الأرض ، محاكم خاصة بإعادة الأرض، وهذا أن دل على شيء فهو يدل على أننا جزء من هذه الأرض نعشق لونها وطينها وترابها وغبارها وخيراتها وحتى قبورها . 
لقد قامت سلطات الحكم العسكري بقمع " حركة الأرض "  هذه النخبة من المثقفين الذين واجهوا الواقع بإقامة حركة ذات أبعاد وطنية فكرية قومية ، وبكل أسف لم تجد هذه الحركة من يدافع عنها ، لا من القوى الديمقراطية اليهودية ولا من قبل تنظيمات عربية سياسية كانت قائمة . 
الأخ المحامي "علي رافع " من نخبة المثقفين الطلائعيين العرب الذين درسوا المحاماة ، هذا الرعيل الأول من رجال القانون الذي كان له دوراً بارزاً في مقارعة الحكم العسكري ، ودور في الدفاع عن الآف من المواطنين  الفلسطينيين في المناطق المحتلة الذين رفضوا الاحتلال وممارساته ، ولا زال صدى صوت الأستاذ علي رافع يصدح في قاعات محاكم الاحتلال في رام الله واللد ونابلس والقدس وغيرها من المدن المحتلة . 
ان التصدي لقضاء الاحتلال لهو الجهاد الأكبر لأن القوانين تُفصل حسب عقلية وتفكير المُحتل ، ودائماً الاحتلال عبر قوانينه يحاول فرض أشد العقوبات حتى لا يستطيع الواقع تحت الاحتلال التمرد والرفض والمقاومة. 
وحبذا لو يتم توثيق تلك المواقف كي تتعلم الأجيال القادمة كيف كانت تتم المحاكمات ولتصبح لعنة وإدانة للدولة المحتلة التي تدعي الديمقراطية . 
لقد عرفت الأخ علي رافع منذ سنوات طويلة ، عندما كنا نلتقي في مركز اللقاء الذي كان ينظمه المرحوم جريس خوري ، كان هدف هذا المركزمحاربة الطائفية والتفاهم بين الأديان ، عرفته قامة من قامات حركتنا الوطنية ،  وبعمقه في الانتماء للإنسانية ، وهنا أشير إلى الفيلم الوثائقي الذي قامت ببثه قناة الجزيرة تحت اسم  " شارع عباس 36 " الذي ظهر فيه الصديق علي رافع بكامل تاريخه وانسانيته وفلسطينيته وهو يعيد مفتاح بيته لعائلة " أبو غيداء " حيث تعود ملكية البيت بالأصل إلى هذه العائلة" ولكن بعد أن هجروا سكن علي رافع مع اسرته في البيت ، حيث حافظ على مقتنيات البيت ، وفي مشهد انساني يفيض بالدموع كان الأخ علي سباقا ولا زال عندما عاد صاحب البيت الأصلي " أبو غيدا" قام بكل شموخ وسلم الصديق " علي" أبو غيدا مفتاح البيت، كانت لحظات من الصعب وصفها بهذا سلم الأخ علي اعز ما يملك لاكثر من يستحق ، وهنا نتذكر الكاتب الفلسطيني الرائع غسان كنفاني في كتابه" عائد إلى حيفا " كأن العودة التي تمناها الكاتب  لكنها فشلت متجسدة بصورة الطفل الفلسطيني الذي أصبح جنديا اسرائيلياً ، في مشهد الفيلم المذكورتحول الحلم الى واقع واعيد البيت الى أصحابه قولا وعملا ، هذه هي أخلاق المحامي علي رافع ، هذا المشهد التاريخي يؤكد أن حق العودة يعيش داخل مسامات كل فلسطيني ، وينتقل من جيل الى جيل  . 
لقد قالها الصديق علي لأبي غيداء " أنت أحق مني بهذا المفتاح ، وكررها أكثر من مرة ، رددها بكل عزيمة وصدق ، وهذه العبارة تؤكد أن البيوت والأملاك التي أجبر أصحابها على تركها لا بد أن تعود ، وإذا أكد الفيلسوف الإيطالي " غرامشي " أن التاريخ لا يكتبه إلا المنتصرون " فنحن نؤكد أن تاريخنا تكتبه الأجيال عبر الأجيال وحتماً ستسطع شمسه يوما ما . 
صديقي علي رافع كنت وما زلت تسير على جمر المواقف الثابتة والجسر الفولاذي  الفلسطيني ما زال يمنح خطواتك العزيمة،   لم يغيرك الزمن بل زدت صلابة وعنفواناً  ، دمت شامخاً وأتمنى أن تكتب عن الأحداث والحكايات والمواقف التي مررت بها ، لأن تاريخنا لا يكتبه إلا الذين عاشوا نكباته ودمه ودموعه ولجوئه وتشرده وشهدائه واسراه وسجونه . 
أمد الله بعمرك وزاد من عزيمتك كي تبقى منارة لا تضئ شارع عباس فحسب ، بل تضيء كل حيفا وما قبل حيفا وبعد حيفا ، دمتم جميعا والسلام عليكم

2021-06-07