الثلاثاء 27/10/1442 هـ الموافق 08/06/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
كلمة الكاتبة رنا ابو حنا في حفل تكريم المحامي علي رافع بنادي حيفا الثقافي

 "ابنُ فلاحين

من ضلعِ فلسطين
جليليٌ
بقيَ مثلَ دوري
قومِيْ
فاتحُ الصوتِ
كبيرُ القدمينِ
واسعُ الكف، فقيرٌ كفراشة
أسمرُ حتى التداعي
عريضُ المنكبين
يرى أبعدَ من بوابةِ السجنِ
يرى الغيمةَ في خوذَةِ جندي
يرانا، ويرى كرتَ الإعاشة
وبسيطٌ .. في المقاهي واللغة"

القصيدة لراشد حسين عن بدايات أمثال المحتفى به وشخوصِ جيلِه وفصول حكاية وطنٍ وشعب ..كيف لا؟! وهو أمين سر لجنة إحياء تراث راشد حسين.

وُلِدَ علي مصطفى رافع عام 1941 في قريةِ دير الأسد، فقدَ والدتَه إبانَ احتلالِ بلدتِه عام 1948 وهو في السابعة من عمره ، مثلما إستشهدَ والدُهُ بعد سنة وهو في الثامنةِ، ليبقى يتيمَ الأبوين في عُهدةِ جدهِ وجدتِه …

كيفَ يدمي الوقتُ الطفلَ الصغيرَ ليتذكّرَ كم فقدَ عبرَ السنين ؟!..  
نصفُ يومِه مع جديّه، ونصفُ يومِه الآخر في المدرسةِ الابتدائية في البعنةِ.. ثم بعد ذلكَ في مدرسةِ قرية دير الأسدِ المُطلة على العريضِ شرقَ منطقةِ العين، المنطقة التي شكّلَت مساحةً للمعاركِ بين الفلسطينيينَ العائدينَ إلى أراضيهِم وبينَ كتيبةِ الحدود الإسرائيلية و " شرطة الصواري" تطاردُهُم.. لينتهي الأمرُ دوماً إما بترحيلِ أبناءِ المنطقةِ إلى لبنان .. وإما باستشهادِ العائدين وبقائِهم  في أرضِهِم جثثاً يدفنونَ بصمتٍ وحزنٍ.
 "اركُضِي أوْ قِفِي الآنَ.. أيّتُها الخيلُ:
لستِ المغيراتِ صُبحا
ولا العادياتِ – كما قيلَ – ضَبْحا
ولا خُضرةٌ في طريقكِ تُمحى    خضرةَ
ولا طِفْلُ أضحى       طفلَ
إذا ما مَرَرْتِ به .. يَتَنَحّى"

على هذهِ المشاهدِ الطفوليةِ الاستثنائية تشكّلَ وعي علي رافع ، علمًا أن عائلةَ رافع لم تواجه مصيرَ التهجيرِ في آب 1948 بل مضَت نحو قريةِ يركا في استضافةِ الشيخ كامل معدي، الذي احتضنَ مع أهلِ بلدتِه بكرمٍ وترحابٍ ،الآلافَ من لاجئي المنطقة حتى يتسنى لهمُ الحصولَ على الهُوِية الزرقاء.
 
هكذا ذاكرةُ الطفلِ تتخطَى كونَها ذاكرةً سرديةً لما حدث .. بل هي شرطٌ ضروري لأحلامِ المستقبل. علي رافع يحلُمُ أن يصيرَ محاميًا أسوةً بمحامِي الأرضِ حنا نقارة صاحبِ الفضلِ الكبير في استبدالِ عشراتِ الهُويات التي مَنَعَت ترحيلَ أصحابِها. 

"طارَت طيارة من فوق اللَيّة
الله معاكم يا شيوعية،
وحنا نقارة جاب الهوية
غصبن عن رقبة إبن غوريونا"
 
في كتابِه على شوقٍ لأيامٍ غوالٍ يحدثُنا المرحوم الأستاذ الشاعر شكيب جهشان قائلًا:-
"لم يكن الصفُ مزدحمًا كغيرِه من الصفوفِ في مدرسةِ دير الأسد الإبتدائية.
في الصفِ خمسةٌ وعشرونَ طالبًا، لكنّ أبرزَهُم ثلاثة..عليّ وأحمد ومحمود.
عليّ كانَ طموحًا،يميلُ قليلًا إلى الحِدّة، له عشقٌ خاصٌ للتاريخِ،  يريدُ أن يُثبِّت لهُ مكانًا تحتَ الشمسِ ليقهرَ فيه ظروفَهُ الخاصةَ الأليمةَ… 
جميعُهم متفوقون، يتربعون على عرشِ الصفّ نجاحًا وقيادةً.
كانوا من الطرازِ الذي لا تملكُ إلا أن تحبَه..
هكذا كانوا.. وأنتَ، ألم تُحِسَّ بنوعٍ من القرابة بينك وبينهم؟ ألم يقل محمودٌ مرةً لأصدقائِه عنك..لم يكن أستاذًا، بل كانَ زميلًا لنا ببنطالٍ طويل.

ودخلَ الشابُ عليّ الى مدرسة الرامة الثانوية.. وقد فرضَ عليهِ نجاحُه أن يَبذلَ قُصارى جَهدِه للحفاظِ على ذلكَ النجاحِ للتألقِ أكثرَ في الصفِ التاسع والعاشر! حتى انتقلَ ليلتحقَ بصديقيه أحمد أسدي ومحمود درويش في الصف الحادي عشر والثاني عشر في مدرسةِ يني الثانوية في كفر ياسيف.
 
بعدَ التخرجِ من الثانويةِ وجدَ على رافع في كليةِ الحقوقِ في الجامعة العبرية طريقًا لإقدامِه.. يذكرُ أن نسبةَ التحاقِ الطلابِ العرب في الجامعةِ لا تتفق أبدا مع نسبةِ خريجي المدارس الثانوية في ذلكَ الحين.. ولم يكن هناكَ من يفكّرُ في متابعةِ الدراسةِ للوضعِ السياسي القلق من جهةٍ والأوضاع الاقتصادية العسيرة من جهةٍ أخرى..  
لذا لم ينس الطالبُ عليّ أعمالَ الحراسةِ وغيرَها وكلَ ما قدمَهُ شقيقُه كامل من دعمٍ ومعونةٍ ماديةٍ حتى يغطي نفقاتِ الدراسةِ الجامعيةٍ ويصبحَ محاميًا في عام 1966 

وكيفَ ينسى مساهمةَ الجمعيةِ العالميةِ المسيحيةِ في اسرائيل ICCI برئاسة طيب الذكر المرحوم الدكتور سامي جرايسي في تحقيقِ مبتغاه. 
ولعلّها مناسبة حتى أشيرَ الى تحفيز الأستاذ علي رافع  والسعي بكل ما في وسعِه إلى تشجيعِ الطلاب ودمجِهم في الدراسة الجامعيّة وعلى هذا يشهدُ الكثيرون.

سأقرأ مقطعًا من رسالةٍ كتبها محمود درويش الى سارة من حيفا في 19.8.1969 يحدثها فيها عن صديقِ الطفولة ومقاعدِ الدراسة علي.. ثم كيف تجددت العلاقة بينهما حين عملَ محمود درويش محررًا في صحيفة الاتحاد وعلي رافع محاميًا متدربًا في مكتب المحامي حنا نقارة وسكنا معًا في غرفة مستأجرة عندَ بنات "المشعلاني" ..  
كما أن علي رافع هو أولُ من استعرضَ ديوانَ صديقِه محمود درويش الأول عصافير بلا أجنحة قبلَ أن يجلّد الديوان..وكتبَ لهُ إهداءً يذكرّهُ فيه أنه أولُ من إطّلع على هذه القصائد عاريةً بلا غلاف..

حيفا 19.8.1969
عزيزتُنا سارة
"أنا أعرفُ هذا الطائرَ الشقيَ منذُ الطفولة .. (صعبٌ كالوردِ وسهلٌ كالسنديانِ ولكنَهُ دائمًا وفي كلِ تحولاتِ المزاجِ محافظٌ على النبعِ الأولِ، إنه طيّبُ القلبِ. لماذا أكتبُ هذه الشهادة، ولماذا أدلي بهذه التوصيّة؟ إنهُ في حِلٍ من دواعي ثرثرتي، وخاصةً في حضرتِك.
أريدُ أن أشكوَ من أنهُ متعصبٌ، فإنهُ لا يستطيعُ أن يفهمَ حبي لموسيقى غير عربية, فهل أنتِ قادرةٌ على إقناعِه بخطأٍ ما في الذوق؟
كما أريدُ أن أطلعَكِ على مدى سعادتي من المستقبلِ الذي تفكرانِ به الآن ، وأرجو أن يكون قريبًا"...

لعلّ أجملَ حكايةٍ من حكاياتِ علي رافع هي حكايةُ سارة جودة الغائبةِ عنا الحاضرةِ معنا روحًا ومعنى. 
سارة الصبيّةُ المقدسيّةُ التي تحافظُ عائلتُها على مفتاحِ كنيسةِ القيامة وختمِ القبرِ المقدس في مدينة القدس منذ نحو 850 عاماً.. هيَ السجينةُ الأمنيةُ التي اخترقَت عزلةَ الشاب المحامي علي رافع يومَ عادَت من جامعتِها في بيروت، ذاتَ صيفٍ لصيقٍ بالنكسة؛ فاعتقلها جيشُ الاحتلالِ تسعةَ شهورٍ؛ بتهمةِ الإنتماءِ إلى تنظيمٍ "تخريبيّ"، ونقلِ رسائلَ إلى الفدائيّين... وشاءَ القدرُ أن يدافعَ عنها المحامي الشاب علي رافع، الذي كانَ يعملُ آنذاك في مكتب المحامية فيليتسيا لانغر ..فأحبَّها وطلبَها للزواجِ عام 1969، وأغراها لمغادرةِ القدسِ وولوجِ قلبِه؛ بشبّاكٍ يُطِلُّ على البحر،  فكانَ البيتُ الذي أعطتهُ سلطاتُ الاحتلالِ الإسرائيلي لأحدِ المستوطنينَ حتى تمَ بَيعُهُ إلى علي رافع في الطابقِ الثالث من عمارة "36 " شارع عباس في حيفا.   
وسرعانَ ما اكتشفَت سارة وزوجُها علي أنّ مالكَ العمارة هو أحمد أبو غيدة الذي هُجّر من فلسطين، وتوزّعَ أولادُه وأحفادُه في كلِ أنحاءِ العالمٍ. منذُ تلكَ اللحظة، رفضَت سارة تغييرَ معالمِ البيتِ وفاءً لأصحابِه الأصليين..وعاشَت في بيتِها المتحفي بأشياءَ بالغةِ القيمةِ مع أحاسيسَ كثيرةٍ.. فحافَظَت على معالمِ البيتِ الأصليّةِ من أبوابٍ وشبابيكَ وبلاطٍ، وبينَ كلِ تحفةٍ ولوحةٍ تفاصيلُ حكاياتٍ وأقوالٍ بالغةِ القيمة. 

 وحمّلَت وفاءَها وقيّمَها ومبادِئها لأولادِها الخمسةِ مهند، مصطفى، نضال، آية وياسر..حتى قامت الإبنة نضال عام ٢٠٠٨ بجهودٍ جبارةٍ كي يعودَ فؤاد، أحد أبناء أحمد أبو غيدة، الذي عاشَ في لندن إلى حيفا عام 2010  وقد توفّاهُ الله في بداياتِ هذه السنة.

يذكر أن قصةَ هذا البيتِ جالَت مسارحَ عربيّةً كثيرةً حينَ قامَت الكاتبةُ والممثلةُ القديرةُ رائدة طه في عملِها المونودرامي الكبير تعالجُ جدليّةَ الشَتاتِ الفلسطيني من منظار عائلة رافع. 

أما نضال رافع والمخرجةُ القديرةُ مروة جبارة طيبي فقد حولتا القصةَ إلى فيلمٍ وثائقي طرحَ عدةَ تساؤلاتٍ، وأظهَرَ مشاعرَ متباينةً حولَ الواقعِ والأصلِ وأسئلةِ الهُويّةِ في المنفى والوطنِ والعودةِ والملكيّةِ وكيفيةِ النظرِ للأشياء. 

وتواصلُ الإبنةُ البطلةُ الإعلاميةُ نضال ..
توثيقَ القصةِ وتعملُ على أرشيفِ علي رافع وسارة جودة وهو أرشيفٌ غنيٌ  محمّلٌ بآلافِ الوثائقِ النوعيّةِ والمميزةِ..أما الرسائلُ التي يزيدُ عددُها عن أكثرَ من ثلاثمائة رسالة فتعرضُ فترةَ الحكم العسكري بين علي وشقيقِه كامل ومع مجموعةٍ من زملاءِ الدراسةِ من النخب الفلسطينية الهّامة.
وسنغوصُ في هذهِ الزاويةِ لنفهمَ أكثرَ عن هذا الواقعِ المركّبِ الذي عاشَهُ علي رافع مع فلسطينيي الداخلِ الذين حاولوا استيعابَ النكبةِ وصدمتَها ليعيدوا لنا قدرَ الإمكانِ عن طريقِ الكلمةِ والصورِ والمستنداتِ والأوراقِ بناء هُويتِنا الوطنية .
فعلى حد قول سارة لكل قصقوصة قصة.

يبدو أن اسمَ نضال علي رافع سيدرج في قائمةِ البنات الفلسطينيات اللواتي خلّدن آباءَهن، أمثال هالة السكاكيني التي حررت سنة 1955 مذكرات والدِها خليل السكاكيني تحتَ عنوان "كذا أنا يا دنيا".. 
فهل سيهدأ بالُكِ يا نضال .. ويكّفُ الأسمُ عن لكزِك؟

وبعد اسمحوا لي أن أقولَ بدوري لعمي علي .. إنهُ خلاصةُ انصهارِ فلسطيني وطني نضالي أدبي إنساني وذاكرةُ أهلٍ استلهمَ التراثَ الشعبيَ وأساليبَ المقاومةِ وضيقَ العيشِ ونسخَ الدواوينِ وتحدياتِ الزمنِ.. لكي يكونّ علمًا في سلالةِ جيل الآباءِ الكادحين..وهذه الأمسيةُ بطولِ الأحداثِ هي من حصادِ السنين.
إنها مرآةٌ أصليّةٌ مصقولةٌ لهذا الجيلِ دونَ رتوشٍ أو مكيجةٍ أو تلوّنٍ أو تلوين.. تنعكسُ عليها قصصٌ وحكاياتٌ شكلَّت أطرًا يكتبُ عليها التاريخ.

رنا أبو حنا
3.6.2022

 

2021-06-07