الخميس 6/12/1445 هـ الموافق 13/06/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الأبجدية في بلاد الصومال/محمود محمد حسن عبدي

بدأ الإنسان في بلادنا الصومال، بالتعبير عن مظاهر حياته الدينية واليومية بالرسم، فتشير الاكتشافات الأثرية في كهوف ناحية "لاس غيل" شمال شرق "هرجيسا"، بأن آثار النتاج الإبداعي للإنسان هناك، ترجع إلى ما  بين اللأفية الثانية عشرة والثامنة قبل الميلاد، وقد تم رصد تدوين المعرفة بالأبجدية بدءًا بالألف الثاني قبل الميلاد، وتلى ذلك فترة من التاريخ لم يتم تحقيق وجود آثار تدلّ على استمرار الكتابة، أو تبني أبجديات جديدة، حتى فترة دخول الإسلام الذي بلغ المنطقة قبيل هجرة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة المنوّرة، في العام الثالث عشر للبعثة أي في سنة  للميلاد.

وقد تبنى الصوماليون الأبجدية العربية باكرًا، وتجلّى ذلك في ما نظام التعليم الديني الذي انتشر في طول البلاد وعرضها، وبلغ ذلك ذروته لدى وضع القائد الديني البارز "يوسف الكونين"، لتعليم حروف الهجاء العربية عبر منظومة باللغة الصومالية، وظهرت مخطوطات ونقوش باللغة الصومالية مكتوبة بحروف عربية، في خط سمّي "فر- وداد" أي " خط الشيخ".

ثم تلى ذلك ظهور محاولات لإيجاد أبجدية صومالية خاصة، أشهرها (الأبجدية العثمانية) التي استنبطها الوجيه (عثمان يوسف كينديد) من العائلة الحاكمة لقبيلة (مجيرتين/ هوبيو) في شرق شمال الصومال، ومن أهمّ ما يميزها كونها مبتكرة بالكامل، على عكس الكثير من الأبجديات المشتقّة من الأبجدية (الفينيقية/الأوغاريتية).

وقد ظهرت مع الوقت أبجدية محدودة الانتشار ممثلة بأبجدية "بورما" المشتقة من الأبجدية الجعزية، والتي وضعها القاضي عبدالرحمن شيخ نور سنة 1933م، حيث كان يعيش في شمال غرب محمية الصومال البريطاني.

ولم يأتِ العام 1953 حتى ظهرت الأبجدية "الكدّرية"، على يد الباحث الصومالي "حسين شيخ أحمد كّدره"، الذي ولد في إقليم "بنادر" قرب "مقديشو"، ويشير الباحثون إلى أن تلك الأبجدية الجديدة، كانت عبارة عن مزاوجة بين الأبجدية "العثمانية" و تطويرًا لها على نحو مقارب لما في الأبجدية "البراهمية" الهندية.

ومع حصول البلاد على استقلالها، ووحدة أقليميها الشمالي والجنوبي، بزر من جديد السجال حول ضرورة اعتماد أبجدية موحّدة، فكانت المحصّلة أن يطرح الباحثون الصوماليون بعد ذلك قريبًا من ثمانية عشر إقتراحًا للأبجدية، ما بين 11 نظام مبتكر كليًا، وأربعة ذات جذر عربي، وثلاثة لاتينية الأصل،  فيستقر الأمر على رجحان اقتراح الباحث "شيره جامع أحمد"، الذي وضع تصوّره ذلك حولها خلال تلك الفترة الحاسمة، لينجح الحرف اللاتيني المبسّط، ليكون هو المعمول به إلى يومنا هذا.

وبذلك وصلت مسألة الأبجدية إلى مستقرّها، باعتماد اللاتينية في مثل هذا الشهر، شهر أكتوبر من عام 1972، ، وقد كان لاعتماد الأبجدية اللاتينية المبسّطة، الشبيهة لما في اللغة الإنجليزية، أسباب اقتصادية بحتة، تماشت مع التوجّه الحكومي لنظام الثورة بقيادة الجنرال محمد سياد بري، لإحداث تغييرات جذرية في المجتمع الصومالي كله، باتجاه الاشتراكية العلمية التي لم تكن تتناسب مع التراث الوطني والتقاليد الشعبية للصوماليين، فأصبح فرض تلك الأبجدية، وسيلة لإنهاء الجدل الذي استمر لأكثر من عقد، حول الأبجدية الأنسب لكتابة اللغة الوطنية، بين العروبيين وبين المتأثرين بالمدرسة الغربية، فأصبح بالإمكان عبر إدخال الحرف اللاتيني، تحقيق قطيعة بين التراث الشعبي الإسلامي المدوّن بـ"فر وداد" وبين الأجيال التالية التي تأقلمت مع الأبجدية الجديدة، ولم يعد للحرف العربي أي ارتباط معاشي، سوى باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية، للتعبد و معرفة الدين، الذي كان - هو ذاته - محاربًا بالتوجه الحكومي نحو الاشتراكية العلمية.

 

محمود محمد حسن عبدي

باحث وشاعر من الصومال

2012-10-14