الإثنين 4/6/1442 هـ الموافق 18/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ذكرياتي (مئة ريال لعشر تذاكر)....سعيد مقدم أبو شروق

في عام 1988م. كنت في الصّف العاشر، خرجت صباحا من حيّ الكوّاخة متّجها إلى المدرسة الّتي تُسمّى مصطفى خميني، والّتي تقع في حيّ النّاصريّة.
كان يوم السّبت، وفي أيّام السّبت تعطيني أمّي مئة ريال إيراني لأشتري بها عشر تذاكر للحافلة، هذا لأنّ دوامي في المدرسة خمسة أيام، لكلّ يوم تذكرتان.
كنت قد نسقت مع زميلي في الدّراسة سعيد العبادي أن يحضر في الوقت المقرّر حتّى لا تفوتنا الحافلة، هو أيضا دخلُ أبيه نزر، ولا يستطيع أن يستقلّ التاكسي.

وفي الحافلة، يجلس الرجال في النّصف الأمامي، والنّساء في النّصف الخلفي، تفصل بينهم قضبان أسطوانية نحاسيّة، قطرها خمسة سنتيمترات.
كلّ الكراسي تُحجز في المحطّة الأولى، وفي كلّ محطّة من المحطّات التّسعة يلتحق بنا ركّاب جدد فقراء، يقفون وهم يمسكون إحدى العارضتين النّحاسيتين اللتين تشبهان أنبوبين تمتدّان من أوّل الحافلة إلى آخرها، ومقاسهما نفس مقاس القضبان المذكورة أعلاه، عارضة على جهة اليمين وأخرى على جهة اليسار... حتّى يصل الركّاب إلى مئة راكب!
وبعضهم لا يراعي قواعد الخُلق العام، فيتكلّم بصوت مرتفع مزعج، فإن طلبت منه المراعاة، نهرك بكلامه الجارح فقال: هذه حافلة عامّة، إن لم يعجبك الجوّ هنا، فانزلْ واستقل التاكسي. وكأنه يعيّرك بفقرك!

عندما دُقّ الجرس الأخير معلنا انتهاء الدوام، وعند خروجنا من الصّف، سألت مدرّس الجبر مسألة كنت قد قرأتها البارحة فلم أفقهها؛ وظننت أنّه سيجيبني باقتضاب؛ لكنّه بدأ يسرد لي الحلّ، وصديقي سعيد ينبّهني بين لحظة ولحظة أنّ الحافلة ستفوتنا.
وأخذ المدرّس يكتب ويشطب ويوضّح... وأخذت السّاعة تقترب إلى الواحدة.
فركضنا نحو المحطّة، ولم نجد أحدا، وكانت آخر حافلة قد انطلقت عند السّاعة الواحدة تماما.
قال لنا بائع التّذاكر إنّ الانطلاقة الثّانية ستكون عند الرابعة عصرا.
ووقفنا منتظرينِ لعلّ حافلة أخرى تجيء، ووقف معنا بعض الركّاب المتأخرين.
ولمّا انقطع الأمل من قدوم الحافلة، تبدّد الطابور.
ولا طريق أمامنا سوى أن نستقلّ الحافلة رقم 11، وهذا اصطلاح كنّا نستخدمه إذا ما فاتنا القطار واضطررنا إلى المشي على القدمين.

طوينا ذلك اليوم أكثر من أربعة كيلو مترات مشيا، وفي أنفسنا كثير من الغيظ؛ ووصلنا مرهقينِ، فلم نستطع أن نذاكر أو نكتب، خلدنا إلى النّوم، لعلّه يُنسينا معاناة فقرنا، ونستطيع بعده أن نذاكر دروسنا ليلا.

 من الّذي يقول إنّ الدّراسة بغير لغة الأمّ هي الوحيدة التي تسبّب هروب الطلاب الأهوازيين من المدارس؟!
تلك كانت عائقا لهم في المرحلة الابتدائية، ثمّ يستقبلهم الفقر ليكون سدّا منيعا أمام مواصلة دراستهم، وقد اضطرّ هذا الفقر الكافر الكثيرين من أترابنا ليتركوا المدارس ويلجؤوا إلى العمل المبكّر. أعمال شاقّة لا تناسب أعمارهم، لكنّها كانت الحياة التي لا تستمرّ والبطون الخاوية.

سعيد مقدم أبو شروق
الأهواز

2021-01-09