الثلاثاء 24/4/1443 هـ الموافق 30/11/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
في ذكرى نعيم الطوباسي: الوطني النقابي العرفاتي.....نهاد ابو غوش*

في الثلاثين من ايلول / سبتمبر، تحل الذكرى الثانية لرحيل نقيب الصحفيين الفلسطينيين الأسبق، المرحوم نعيم الطوباسي، وهي مناسبة نستذكرها بمشاعر مختطة ومتداخلة، فمن جهة نفتقد الراحل بكل حزن وأسف على خسارة شخصية وطنية وإعلامية فلسطينية رحلت وهي في أوج عطائها وقبل ان تتحقق أحلامها وأهداف شعبها، ومن جهة أخرى نشعر بالاعتزاز لأن "أبا زيد" ترك أثرا لا يمحى في ذاكرتنا وفي قلوبنا، كما على مسيرة الصحافة والصحفيين، ومسيرة النضال الوطني الفلسطيني، والحريات العامة، على المستويات المحلية والعربية والدولية.

ويشاطرنا في هذه المشاعر المتداخلة كل من عرف الفقيد الراحل سواء من أسرته الصغيرة وأصدقائه، أو من أسرة الصحفيين الفلسطينيين والعرب، أولئك الذين اتفقوا مع المرحوم نعيم الطوباسي، أو الذين اختلفوا معه. فمسيرة العمل العام للراحل طويلة ومتشابكة ومتعددة المسارات والمسالك، في الوطن وفي الخارج، قبل قيام السلطة وبعد توقيع اتفاق أوسلو، في العمل الوطني والنقابي، وفي السجون والمعتقلات، كما في ميادين العمل اليومي السياسي والاجتماعي، وفي المحطات المفصلية والمعطفات الحادة في مسيرة الشعب الفلسطيني التي لم تتوقف مفاجآتها ولا تطوراتها العاصفة في يوم من الأيام.

على المستوى الإنساني الشخصي، يمكن للمرء أن يسرد عشرات المواقف التي تشفّ عن طبيعة هذا الرجل والتي يمكن تلخيصها بالسجايا العربية الأصيلة من الوفاء والشهامة والكرم والمروءة إلى جانب الشجاعة في قول الحق، والترفع عن مجادلة الصغار والاعتداد بالذات، وهي هنا ليست ذاتا شخصية ونرجسية بل هي الذات الفلسطينية في احتكاكها بالآخر العربي والأجنبي سعيا لتكريس حقوق شعبها ووطنها، ، وهي كلها صفات تكوينية وتربوية لعل الراحل اكتسبها من بيئته المحلية وتربيته العشائرية، لكنه صقلها بتجربته الوطنية والسياسية فاستحالت إلى مزايا فريدة في العمل النقابي أبرزها القدرة على استيعاب الآخر المختلف، وتغليب ما هو رئيسي وجوهري على التفاصيل والجزئيات والخلافات الثانوية، وإدراك أن مهمة القائد لا تكمن في تمايزه عن الآخرين وتعاليه عليهم، بل في اكتشاف الطاقات الكامنة لدى الآخرين وإطلاقها.

ليس ثمة سر خفي في تفسيرهذه الشخصية، فالراحل كان يقولها أو يفصح عنها لمجالسيه والمحيطين به، وكان يمكن لمن يعرف أبا زيد أن يدرك كنه شخصيته الذي يمكن تلخيصه بأنه كان "عرفاتيا" بامتياز، أي تربى في مدرسة ياسر عرفات السياسية والقيادية. كاتب هذه السطور لا يعرف كثيرا عن التفاصيل الدقيقة لهذه العلاقة، وما الذي كان القائد الشهيد والرمز التاريخي يسّر به لنقيب الصحفيين، ولكن الذي أعرفه أن ابا عمار كان يستدعي نعيم الطوباسي في المواقف والمنعطفات الحاسمة التي ترتبط بمكانة الصحفيين الفلسطينيين وحضورهم العربي والدولي في المؤتمرات والمناسبات الدولية، وتحالفات النقابة لتثبيت وجود فلسطين على الخريطة الدولية، فيطلبه أحيانا إلى تونس قبل قيام السلطة، وأحيانا إلى عمان، وكثيرا إلى المقاطعة في رام الله أو إلى "المنتدى" في غزة، لم تكن تعليمات أبي عمار من نوع التدخلات التفصيلية المرهقة، فاللبيب من الإشارة يفهم، والموضوع كان دائما هو فلسطين ومكانتها ومصلحتها، لكن لقاءات كهذه كانت تشحن الطاقة والعزيمة في نفوس من يلتقيهم، وتشعرهم بمدى ثقل المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم، وأنهم محل متابعة ومراقبة شعبهم وقيادتهم التي تتوقع منهم دائما أداء الأفضل في خدمة فلسطين.

كرّس نعيم الطوباسي حضورا عربيا ودوليا مرموقة لفلسطين في اتحاد الصحفيين العرب وفي الاتحاد الدولي للصحفيين، وفي منظمة الصحفيين الدولية، والمعهد الدولي للصحافة، حيث شغل مواقع تمثيلية في أعلى الهيئات القيادية لهذه المنظمات التي ما زالت فلسطين حاضرة فيها بقوة، كما في عديد المنابر والمحافل المتخصصة التي تعنى بالصحفيين والحريات الصحفية، تحقق ذلك قبل انتشار المنظمات المتخصصة التي تعنى بهذه الاهتمامات، وقبل شيوع وانتشار ثقافة الحريات العامة حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات بوقت طويل.

أما الإنجاز الأهم في تاريخ نعيم الطوباسي فهو دفاعه المستميت عن الصحفيين، اي عن كل صحفي بصرف النظر عن هويته وانتمائه السياسي، فالنقيب منحاز للصحفي وحريته وكرامته حتى لو أدى ذلك لاصطدامه بالمؤسسة الرسمية وخاصة الأمنية التي كان يقودها أحيانا زملاؤه وإخوته في الحركة.

وسوف يذكر التاريخ أن نعيم الطوباسي كان من أشرس المناهضين لتطبيع مع الاحتلال ومؤسساته، كان متمسكا بهذا الموقف حتى في الأوقات التي استسهل فيها البعض اللقاءات مع الإسرائيليين في بدايات تطبيق اتفاق أوسلو، حيث اتشرت القاءات اللتطبيعية المجانية في الوطن والخارج بمناسبة وبدون مناسبة، بل انتشرت مؤسسات تشجع على ذلك، وأتيحت فرص لا حصر لها لتمويل مثل هذه اللقاءات، فقد كان أبو زيد يدرك، بحسه الوطني والمهني المرهف، أن التطبيع مع الصحفيين هو مقدمة لاستباحة الوعي الفلسطيني تمهيدا لتدجينه وتطويعه للتعايش مع الاحتلال. 

كان المرحوم نعيم الطوباسي وطنيا وحدويا مخلصا لوطنه، ونقابيا وفيا وأمينا لمهنته وزملائه، في حياته عمل بشكل مشترك مع آلاف الناس، فاتفق مع معظمهم واختلف مع مئات غيرهم، ولعله تعرض في أواخر حياته لظلم ذوي القربى الأشد مضاضة، لأنه رفض أن يدخل تحت عباءة أحد فيحسب من أزلامه، وظل مصرا على أن يحسب على فلسطين وحدها، حتى هذا الظلم تقبله أبو زيد بتفهم واستيعاب، وكان يدرك أن مثل هذه الأمور تحدث وأنها من طبيعة المرحلة "الزئبقية"، ومع أن البعض تراجع عن ظلمه إلا أن المسؤولية التاريخية والإنصاف يتطلبان أن نفي الناس حقها بكل أمانة، فالوفاء هو للقيم والسجايا العظيمة وليس للأشخاص فقط.

*عضو سابق في مجلس نقابة الصحفيين من عام 2000 حتى 2012

 

2021-10-01