الأربعاء 12/12/1445 هـ الموافق 19/06/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
خطاب البروفيسور النمساوي د. هانس كوكلر، بمناسبة اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، بمقر مكتب الأمم المتحدة، بفيينا، يوم 5 ديسمبر 2023.

المترجم: د. حميد لشهب

الفيلسوف النمساوي هانس كوكلر، الذي لم يعد من الضروري تقديمه للقراء العرب، لأنه حاضر في الساحة الثقافية والفلسفية العربية منذ عقود بحضوره الفيزيقي في إطار ندوات ومحاضرات في ربوع العالم العربي والإسلامي، وترجمة كتبه للعربية وإعطائه حوارات عميقة لقضايا راهنة، على اعتباره متخصصا في فلسفة القانون والسياسة، "مدعومة" بتحليل فينومينولوجي عميق.

 

أكد البروفيسور النمساوي، الفيلسوف هانس كوكلر أكثر من مرة موقفه الواضح، الداعم للقضايا العادلة للشعوب المغلوب على أمرها، ومنها الشعوب العربية والمسلمة. حمل على عاتقه وهو في عز شبابه مشعل الدفاع عن القضية الفلسطينية، وكأنه فلسطيني الاصل أبا عن جد، ويرجع التزامه هذا لإيمانه أولا بعدالة القضية، وثانيا لاقتناعه بمبدائ النزعة الإنسانية، التي يعتبرها حصيلة، بل زبدة ما توصل إليه العقل الإنساني، بمساهمة كل الثقافات دون استثناء، بمقادير مختلفة. وهذا الإرث الإنساني المشترك، هو الذي يجب أن يكون أساس علاقات بني البشر، والضامن الطبيعي للتعايش والعيش معا في هذا العالم، الذي لن يتكرر من جديد، إن قُضي عليه.

 

مناسبة هذا الخطاب هو ما يحدث في فلسطين، ليس فقط منذ بداية شهر أكتوبر، بل قبل هذا التاريخ؛ ومدى التدمير الصهيوني للبنيات التحتية للفلسطينيين، والإعتداء الغاشم على مواطنين عزل، لا لذنب اقترفوه، بل فقط لأنهم ولدوا وترعرعوا ويسكنون فلسطين. ولا يمكن أن تمر هذه الإبادة الجماعية الممنهجة في صمت، على الرغم من أن القوى الإستعمارية، برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، تحاول ما في وسعها دعم الصهاينة لتصفية القضية الفلسطينية، ومعها الفلسطينيين.

 

يدخل خطاب البروفيسور د. هانس كوكلر، رئيس المنظمة الدولية للتقدم، بمناسبة اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي دعت إليه لجنة الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفقا لقرار الأمم المتحدة 32/42 الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمقر الأمم المتحدة، بفيينا، يوم 5  ديسمبر 2023.

 

نص الخطاب

 

"السيد الرئيس، أصحاب السعادة، السيدات والسادة!

 

إنه ليس الوقت المناسب للإدلاء بتصريحات رسمية أو استحضار المبادئ النبيلة وحدها ــ في الوقت الذي قُتل فيه 16 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، بشكل عشوائي في عمليات القصف الهائلة، وأصبح آلاف آخرون في عداد المفقودين، تحت أنقاض منازلهم في قطاع غزة، حيث يتم تدمير البنية التحتية للإقليم بشكل منهجي. المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس ومرافق الأمم المتحدة التي تعمل كملاجئ – لم ينجو أي مكان من الهجوم. يجب ألا نلطف كلماتك: إن إسقاط قنابل تزن 2000 رطل على أحياء مكتظة بالسكان يرقى إلى مرتبة مذبحة للسكان المدنيين ــ وهذا تحت المسمى اللاإنساني "الأضرار الجانبية". وقد وصفت نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس حجم معاناة المدنيين في غزة بأنه "مدمر" و"مفجع للغاية"[1].

 

فقد في هذا الهجوم أكثر من 100 موظف للأمم المتحدة وأكثر من 200 موظف طبي وأكثر من 60 صحفيا حياتهم. وفي تاريخ الصراعات الأخيرة، وخاصة في تاريخ الأمم المتحدة، فإن هذا العدد غير المتناسب من الوفيات بين العاملين في المجال الإنساني والصحفيين لم يسبق له مثيل.

 

وفي الضفة الغربية، تشن قوات جيش الاحتلال غارات مميتة، فتقتل عمدا المدنيين العزل، وكثير منهم قاصرون، وتهدم المنازل وتدمر سبل عيش السكان الفلسطينيين. ففي الوقت الذي يراقب فيه العالم ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ــ بسبب حق النقض الذي يمارسه واحد على الأقل من أعضائه الدائمين ــ ويكون محكوما عليه بالبقاء عاجزاً، تمكنت قوة الاحتلال في فلسطين من شن حملة لا هوادة فيها، وحتى حملة انتقامية، ضد الشعب الفلسطيني وتطلعاته إلى الحياة في حرية وكرامة.

 

إن الفشل النهائي لـ "عملية السلام" التي لم تتمكن من الازدهار خلال كل هذه السنوات منذ حرب أكتوبر 1973، هو الهدف الاستراتيجي للمجموعات السياسية التي تعمل تحت مسميات "الصهيونية الدينية" و"القوة اليهودية"، وهم اليوم جزء من الحكومة الأكثر تطرفًا والأكثر قومية وشوفينية في إسرائيل منذ عام 1948. وقد حذرت من عواقب هذا الوضع في كلمتي هنا في هذا المنتدى العام الماضي.

 

لتجنب كل غموض: إننا ندين بلا تحفظ أحداث 7 أكتوبر. حياة كل إنسان لها نفس القيمة. إن الحق في مقاومة الاحتلال الأجنبي، فضلاً عن الحق في الدفاع عن النفس وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، يجب ألا يكونا بمثابة ذريعة للعقاب الجماعي. ولا تسمح هذه الحقوق بأي حال من الأحوال بالاستخدام غير المتناسب والعشوائي للقوة. ولا تبرر بأي حال من الأحوال ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، مثل تلك التي نلاحظها حاليًا، والتي تتميز بوحشية وكثافة لم يسبق لهما مثيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويجب تقديم المسؤولين عن ذلك إلى العدالة، بغض النظر عن دور الشخص أو منصبه.

 

في مواجهة الحملة التي تهدف إلى تخويف أولئك الذين يدافعون عن الحقيقة، يجب علينا هنا أيضًا أن نكون واضحين ودون لبس: إن إدانة هذه الأعمال والسياسات والأيديولوجية التي تقف وراءها ليست تعبيراً عن معاداة السامية، تماماً كما أن إدانة الفظائع المرتكبة ضد المدنيين الإسرائيليين ليست تعبيراً عن كراهية الإسلام. وفي كل هذه الحالات، سيكون التزام الصمت أمراً غير مسؤول.

 

تحدث رؤساء دول أو حكومات تركيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وكولومبيا وبوليفيا ودول أخرى بشجاعة. وفي 17 تشرين الثاني/نوفمبر، أحالت جنوب أفريقيا وبنغلاديش وبوليفيا وجمهورية القمر المتحدة وجيبوتي الوضع في دولة فلسطين على المحكمة الجنائية الدولية. وفي أوروبا، انتقد رئيس الوزراء الإسباني ورئيس الوزراء البلجيكي - الرئيسان المنتهية ولايتهما والقادم لمجلس الاتحاد الأوروبي - بوضوح الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي في فلسطين. ويتعين على الآخرين في أوروبا أن يحذوا حذوهم. وينبغي أن يدرك القادة السياسيون أن كل دولة موقعة على اتفاقيات جنيف لعام 1949 يجب أن تتعهد "باحترام وضمان احترام [القانون الإنساني الدولي] في جميع الظروف".

 

وقد صرحت لجنة الأمم المتحدة المستقلة للتحقيق في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل التالي: "هناك بالفعل أدلة واضحة على احتمال ارتكاب جرائم حرب خلال اندلاع أعمال العنف الأخيرة في إسرائيل وقطاع غزة". ومن المؤسف أن العديد من موظفي الأمم المتحدة، الذين كانت لديهم الشجاعة لقول الحقيقة، تعرضوا لهجمات خبيثة من جانب ممثلي السلطة القائمة بالاحتلال.

 

نضم إلى الأمين العام للأمم المتحدة الذي دعا، إلى جانب الغالبية العظمى من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، إلى وقف دائم لإطلاق النار وإلى حل سياسي يعالج جذور المشكلة: لم يعد من الممكن التسامح مع استمرار إنكار الحق في تقرير المصير، وفي انتهاك مستمر لجميع قرارات الأمم المتحدة المهمة. أعلن أنطونيو غوتيريس خلال الجلسة الخاصة لمجلس الأمن في 24 أكتوبر/تشرين الأول أن الشعب الفلسطيني "يتعرض منذ 56 عاما لاحتلال ساحق".

 

سيدي الرئيس!

لقد وصلت "عملية أوسلو للسلام"، التي وقعت قبل ثلاثين عاماً إلى طريق مسدود، لأنها لم تكن ترتكز في المقام الأول على نموذج تقرير المصير، ولكنها ركزت ــ مثل اتفاق كامب ديفيد عام 1978، السابقة عليها ــ على أشكال الحكم الذاتي المحلي، تحت سلطة قوة الاحتلال. تم استبعاد المسائل المتعلقة بما يسمى "الوضع الدائم" من "إعلان مبادئ الحكم الذاتي المؤقت". وبعد سنوات من الانعطافات وانعدام الثقة، شجع هذا ــ ولا يدهش هذا أحدا ــ نزعات الضم، تماما مثل الاتفاقيات الثنائية التي أبرمت في الآونة الأخيرة.

 

يجب على إسرائيل أن تنسحب من جميع الأراضي التي احتلتها عام 1967، وأن تلغي ضم القدس العربية – دون قيد أو شرط. ويتطلب هذا أيضا تفكيك المستوطنات الاستعمارية في الضفة الغربية، والتي تشكل واحدة من أكبر العقبات أمام السلام. ويجب ضمان حق المواطنين الفلسطينيين في اتخاذ القرار بشأن الوضع القانوني والتنظيم السياسي لبلادهم، دون إشراف أو تدخل خارجي، لأن هذا هو بالضبط ما يعنيه تقرير المصير.

 

بما أن مجلس الأمن لم يتخذ بعد تدابير قسرية لتنفيذ القرار 242 (1967) بشأن الانسحاب من الأراضي المحتلة، فإن أي تقدم في هذا الاتجاه سيعتمد بشكل أساسي على تأثير الدول الغربية - وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي – اللذين لهما نفوذ على إسرائيل وأعلنا بالفعل أنهما يفضلان نموذج الدولتين، مفتاح الحل النهائي. بالتأكيد لم يعد الوقت مناسبًا للأقوال، بل للأفعال. ومع ذلك، سيكون هذا تحديًا كبيرًا. فبعد عقود من الاستعمار الفعلي في الضفة الغربية، لم يتبق الكثير من الأراضي لإقامة دولة فلسطينية، والتي، مثل أي دولة، تحتاج إلى أراضٍ متجاورة لتكون قابلة للحياة.

 

فيما يتعلق بغزة، فبوسع الجمعية العامة أن تتبع الإجراء الذي حددته بنفسها خلال أزمة السويس عام 1956، استناداً إلى صيغة "الاتحاد من أجل حفظ السلام". يمكن للدول الأعضاء في الأمم المتحدة مرة أخرى إنشاء "قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة" [قوة تدخل مسلحة تابعة للأمم المتحدة، UNEF]، والتي تتولى مراقبة وقف إطلاق النار في المستقبل، وتكون بمثابة منطقة عازلة بين الأطراف على طول الحدود. وينبغي للدول التي تتمتع بنفوذ كاف أن تعمل كضامنة لكلا الطرفين. وفي هذا السياق، فإن الاقتراح الذي قدمته تركيا مؤخرًا - وهي الدولة التي لعبت بالفعل دور الوسيط خلال مفاوضات اسطنبول بين أوكرانيا وروسيا في عام 2022 - مهم للمجتمع الدولي.

 

في الختام، سيدي الرئيس، فإن دور المجتمع المدني الدولي سيكون حاسما بالنسبة للآفاق الحقيقية للسلام. ومن المهم الإشارة بأنه حتى في البلدان التي، مثل التي ترحب بنا اليوم، صوتت خلال الدورة الاستثنائية الأخيرة للجمعية العامة ضد وقف إطلاق النار الإنساني "الفوري والدائم"، فإن أغلبية المواطنين لا يؤيدون استمرار الحرب في غزة. ووفقاً لاستطلاع أجرته رويترز/إبسوس في الولايات المتحدة، قال أكثر من ثلثي المشاركين بإنهم يتفقون مع العبارة القائلة بأنه "على إسرائيل إعلان وقف إطلاق النار ومحاولة التفاوض" (فالحكومات التي عارضت وقف إطلاق النار الدائم كانت على أية حال أقلية ضئيلة مقارنة بالدول الأعضاء الـ121 ، التي صوتت لصالح القرار في 26 أكتوبر/تشرين الأول). وفي مظاهرات كبيرة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، أوضحت مجموعات المواطنين من جميع القارات، بما في ذلك، على سبيل المثال، "الصوت اليهودي من أجل السلام" في الولايات المتحدة و"اليهود الأوروبيون من أجل السلام"، بأنهم يؤيدون تسوية النزاع/الصراع من خلال التفاوض والاعتراف المتبادل وليس من خلال حرب الإبادة – حرب شاملة كما وصفها بشكل شرير رئيس الوزراء الإسرائيلي في خطاب متلفز، أشار فيه إلى الفصل 15 من السفر الأول لصموئيل[2]، والتي وصفها المتحدث الرسمي باسمه بشكل فظ وساخر بأنها "أم كل الضربات the mother of all thumpings".

 

إذا كان لحرب غزة لعام 2023 أن تنتهي بطريقة مروعة كما أشار إلى ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي، فقد لا يكون هناك "يوم لاحق" لمعالجة رؤية للسلام، مثل تلك التي قدمها رئيس الوزراء الإسباني، في مؤتمر صحفي على معبر رفح بين مصر وغزة. وأستشهد هنا بدفاعه النابض بالحياة من أجل السلام والعدالة في فلسطين: "... لقد حان الوقت لكي يعترف المجتمع الدولي، ولا سيما الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بدولة فلسطين". علاوة على ذلك، ينبغي على المجتمع الدولي أن ينظر بجدية إلى الكلمات التحذيرية التي ألقاها الرئيس إيمانويل ماكرون قبل بضعة أيام في دبي: "لا يوجد أمن دائم لإسرائيل في المنطقة إذا كان أمنها يأتي على حساب حياة الفلسطينيين..." كما حذر لويد أوستن، كاتب الدفاع الأمريكي، في خطابه حول الحاجة إلى حماية المدنيين، من أن "النصر التكتيكي" قد يتحول إلى "هزيمة استراتيجية"[3].

إذا كان لمنطق الحرب الشاملة أن يسود - مع التهجير القسري لسكان غزة وضم الضفة الغربية كهدف نهائي (كما تصوره أعضاء مؤثرون في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي) -، فإننا نواجه خطر "الحرب الشاملة، فإننا نواجه خطر الدخول في دائرة من العنف لا نهاية لها، وهو العنف الذي يمكن أن يعم منطقة الشرق الأوسط برمتها ويعرض السلام العالمي للخطر.

 

شكرا سيدي الرئيس".

 

[1] في مؤتمر صحفي على هامش الدورة الثامنة والعشرين لمؤتمر الأطراف في دبي، 2 ديسمبر 2023

[2] "فالآن اذهب و اضرب عماليق و حرموا كل ما له و لا تعف عنهم بل اقتل رجلا و امراة طفلا و رضيعا بقرا و غنما جملا و حمارا" صموئيل (15-3).

[3] كلمة ألقاها في منتدى ريغان للدفاع الوطني في كاليفورنيا، نقلتها وكالة فرانس برس في 3 كانون الأول/ديسمبر 2023.

2024-01-03