الأحد 9/12/1445 هـ الموافق 16/06/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
شهادات من الزنازين: ضربٌ وتعذيبٌ وتهديدٌ بالاغتصاب

"هددّني بالاغتصاب، تعرضت للضرب المبرح على يد سجّانات وأنا نصف عارية، كان ذلك داخل غرفة اعتقال لا توجد فيها كاميرات مراقبة، السجّانات عرفن ذلك، لم أشعر بالإذلال أكثر من هذه اللحظة في حياتي، منعن عني الطعام والشراب، كُنّ يوقظنا من النوم الساعة السابعة صباحا، ثم يأمرن أن نقف، لا نعلم لماذا، هكذا". 

كانت هذه شهادة إحدى الأسيرات الفلسطينيات، يوم 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، في سجن مجيدو الإسرائيلي في منطقة مرج ابن عامر ويتبع منطقة حيفا، بعد عملية "طوفان الأقصى" يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وفقا للجنة لمناهضة التعذيب.

داخل الزنزانة في سجن سجن النقب الصحراوي (كتسيعوت) كانت آلام الأسير "عمر" من مخيم الأمعري القريب من رام الله والبيرة، وسط الضفة الغربية، تشتد وهو طريح الفراش داخل الزنزانة التي أُدخل إليها عقابا له. لم يكن يُواسِيْهِ سوى ذلك صوت رفاقه الأسرى الذين يحيطون به. أيامٌ طويلة، مكث دون غذاء ضحي، وبلا ضوء، ولا إمكانية للتنظيف والاستحمام. )

كل شيء من حوله تحوّل إلى كابوس، تلك الجدران التي رافقته طيلة العزل الانفرادي ذكّرته بقبوٍ لن يخرج منه سليما. "كان الأكل يوضع لنا كالحيوانات" قال بنبرة خافتة في حديث خاص لـ"عرب 48"، وأكد أنه "تمنّيت في لحظات أن تُختطف روحي على أن تستمر المعاناة".

الأسير الفلسطيني عمر (اسم مستعار حفاظا على سلامته) سُجن خلال حملة الاعتقالات التي طالت مئات المعتقلين في الضفة الغربية بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وهو أسير محرر، أُدخل إلى زنزانة العزل الانفرادي كجزء من العقاب العام الذي يتعرض له الأسرى الفلسطينيون خلال الأشهر الأخيرة.

العزل.. متاهات نفسية

كانت عتمة العزل تضيف أصنافا من العذاب النفسي على عمر، وهو الذي لم يستطع تجاوزها حتى ظن أن النوم سيغادر عينيه إلى الأبد، ومنذ ذلك الحين الذي داهموا بيته بات النوم عنده مهمةً مستحيلة، "يحرمونك من النوم بقصد حتى تدخل في متاهات نفسية، يبقون الضوء مشتعلا، لا نوم، ولا راحة، ولا حتى مكان نظيف تستطيع أن تستلقي به، وعند التفتيش إهانات ومسبات وإذلال لا يوصف". 

يستذكر عمر تلك اللحظات المذلّة، وفي ذهنه لا تزال الضوضاء تسيطر على مشاعره حين يتراءى له مشهد الفرشة والبطانية، والأوساخ التي كانت عليهما، "كنت أستحم مرتين يوميا، هكذا اعتدت في البيت، ولكن فجأة أنام على فراش ووسادة أقرب لأن تكون جيفة تنام عليها الحيوانات، من أجل إذلالنا. من تحمل الضرب والتعذيب الجسدي كان من الممكن أن ينهار من الأذى النفسي الذي هو أصعب".

سبعة أسرى استُشهدوا داخل السجون الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، تساؤلات كثيرة لا تزال تثير الجدل حول استشهادهم، وتحديدا بعد أن بدأت تنكشف الشهادات من داخل الزنازين من قبل الأسرى لما تعرضوا ويتعرضون له من تعذيب داخل السجون.

التعذيب حتى الموت

تتداعى إلى ذهن المعتقل أحمد خليفة، ذكريات الزنزانة والمخاوف، والعزلة والحرمان، بعد أن بُعثت عليه وعلى الأسرى أصوات الموت، ورائحته، على بعد أمتار قليلةٍ. يحاول خليفة أن يقلّب في ذهنه الصرخات التي تلاقت على آذانه في سجن مجيدو، "كل السجن سمع صراخ ذلك الأسير، لكن فجأة عمّ الصمت المكان، الأسير فقد الوعي، أُدخل الإسعاف، وعرفنا وقتها أنه استُشهد"، قال الناشط السياسي والمحامي أحمد خليفة، من أم الفحم، في شهادة مؤلمة أدلى بها في قاعة المحكمة المركزية في حيفا.

استُشهد الأسير الذي سُمع صوته وهو يستنجد ويستغيث، يروي خليفة. كان الأسير بصحة جيّدة، قبل أن يدخل إلى تلك الزنزانة، صراخه الذي وصل إلى كافة فتحات الزنازين، تحوّل إلى كابوس لدى الأسرى الذين وقفوا عاجزين، "كان بصحة جيدة قبل ارتكاب جريمة القتل بحقه من قبل السجانين" قال خليفة، ثم أضاف "لقد ضربوه بالعصي وأدوات حادّة لساعات متواصلة، حتى فارق الحياة". 

رفع خليفة النقاب عن بعض ما يتعرض له الأسرى في السجون منذ السابع من أكتوبر، كان مسترسلا في شهادته التي وقعت على آذان من تواجدوا في قاعة المحكمة كالصاعقة. ذُهل من استمع لشهادته حتى ظنوا أنه حلم مزعج يرويه. على الرغم من أن خليفة حاول أن يظلّ ثابتا، إلا أن الثبات كاد أن يتركه حين سرد ظروف الاعتقال، "84 يومًا لم نستحم، طيلة هذه المدة ونحن نرتدي ذات الملابس، لم يسمحوا لنا بتغييرها، إنها ملابس صيفية منذ أن اعتُقلنا ولا زالت على أجسادنا، كانت الأجواء صيفية حينها ونحن الآن في فصل الشتاء، والبرد أكل من عظامنا داخل الزنازين".

كانت غرفة السجن مجرد أربعة جدران بالنسبة للأسرى، لكنها تحوّلت إلى نافذة تطل على المعاناة، تلك الشهادات التي أدلى بها السجناء في معتقل مجيدو، تعود بنا إلى عصور مظلمة، معتقل غوانتانامو على سبيل المثال. كان الأسرى في مجيدو ممنوعون من الابتسامة، يستطرد خليفة، مُنعوا من رفع رؤوسهم والحديث مع بعضهم البعض، وعندما يطلب أسير ماء أو دواء كان ذلك يشكل صعوبة عنده، بسبب الاعتداءات التي سيتعرض لها بعد طلبه من السجانين. روى خليفة أنه "اعتدوا على شاب قاصر قبل فترة لأنه ابتسم فقط، تم ضربه بشكل مبرح وعزله، وشارك بذلك عدد من السجانين".

غذاء متعفن

في ساعةٍ مُبكِرة مِنَ الصَبَاح، وبعد فترات طويلة داخل السجن لم يتلق الأسير محمد طاهر جبارين الغذاء الصحي، فجأة سمع صوت خطواتٍ، إنه السجّان، يحمل معه الطعام، دقّ الباب ودخل ومعه صينية عليها أطباق من الأرز واللحم، "وجدنا في الأرز فأرًا، كان الأكل متعفنا وغير صالح، طريقة تقديم الأكل يحاولون من خلالها الإهانة والإذلال، حالات تعذيب بأبشع الطرق، يستغلون الجو العام، يقتلون ويضربون دون رادع"، قال الناشط السياسي محمد طاهر جبارين، من أم الفحم، في شهادة صعبة أدلى بها في قاعة المحكمة المركزية في حيفا. 

تحوّلت غرفة السجن إلى معسكر اعتقال كبير، بدلا من أن تستوعب 10 معتقلين، جمعت بين جدرانها 20 أسيرا، على 10 فرشات يتقاسمونها، وانعدام التدفئة، "كانوا يفتحون نوافذ الغرفة بصورة متعمدة حتى يدخل البرد وينال من أجسادنا، وخاصة في ساعات الليل"، قال الأسير جبارين.

خلف جدران غرف السجون، وتحديدا في الممرات، بعضها تحوّل إلى أداة شبح على الجدار، يصف جبارين، كان السجّانون يخرجون الأسرى دون سبب، ثم يشبحونهم على الجدار وأيديهم تعلو الرؤوس لساعات، "كانوا يطلبون منا الجلوس على الأرض أو الانحناء دون سبب، واستخدام الأصوات التي تقال للحيوانات أثناء نقلنا، ونعتنا بالمخربين الإرهابيين".

"أسرى النخبة"

في شهادة خاصة وصلت "عرب 48" نقلا عن أسير جنائي من أحد السجون الإسرائيلية، وصف فيها استخدام شتى طرق التعذيب والإهانة للأسرى الذين اعتُقلوا من قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر، يقول إنه في السجون "يمنعونهم منذ أكثر من ثلاثة أشهر من رفع رؤوسهم، بحال رفع أسير رأسه يتم الاعتداء عليه بالضرب المبرح من قبل السجانين، وهذا عادةً يحصل عندما يتم نقل الأسرى من مكان إلى آخر داخل السجن".

أما بالنسبة للطعام والغذاء، يوضح الأسير أن "الطعام يقتصر على قليل من الخبز القديم واللبن فقط، منذ ثلاثة أشهر يأكلون فقط لبن، وبالعادة يكون هذا اللبن غير قابل للأكل أيضًا. لا يمر يوم دون الاعتداء على الأسرى بالضرب المبرح، تستفرد مجموعة من السجانين بالاعتداء على الأسرى، وذلك بعد عزلهم عن باقي الأسرى، هناك العديد من الأسرى الذين تعرضوا لكسور في أجسادهم ولم يُقدم لهم العلاج".

أُجبر بعض الأسرى على تقبيل العلم الإسرائيلي، وفي معظم الوقت يروي الأسير الجنائي أنه "يتم بث النشيد الوطني الإسرائيلي طيلة الوقت، وهذا الإجراء يشمل جميع الأسرى الأمنيين من غزة ومناطق الـ48 والضفة الغربية".

تعقيب صندوق المدافعين عن حقوق الإنسان

قالت المحامية روضة مرقس، من صندوق المدافعين عن حقوق الإنسان، لـ"عرب 48" إن "الشهادات التي أدلى بها المعتقلان محمد طاهر جبارين وأحمد خليفة، كانت مؤسفة وصعبة، وتتعارض مع حقوق الإنسان. نسبة كبيرة من الأسرى تتعرض لظروف اعتقال صعبة وغير إنسانية، حسب تصريحات الأسرى المختلفة".

وترى مرقس أن الشهادة التي أدلى بها الأسيران، خليفة وجبارين، في قاعة المحكمة، "جعلت القاضية تقوم بزيارة لسجن مجيدو لترى ما يتعرض له الأسرى هناك. نأمل بعد زيارة القاضية للسجن بأن يكون هناك تحرك، بالإضافة إلى ضغط منظمات حقوق الإنسان التي تعمل بكل الطرق والسبل من أجل تحصيل حقوق الأسرى في السجون".

رد سلطة السجون

جاء في رد " سلطة السجون" أنه "منذ بداية الحرب، استقبلت سلطة السجون آلاف السجناء الأمنيين. وفي ضوء ذلك ارتفع مستوى التحديات والتهديدات التي تواجهها عناصر الأمن في السلطة داخل السجون. ونحن نؤكد أنه حتى في ظل الواقع الأمني ​​الصعب، فإن سلطة السجون تحرص على الحفاظ على المهنية والمبادئ لحقوق الإنسان. سيتم التحقيق في الأحداث التي تتطلب التحقيق، إن وجدت، بالتعاون الكامل مع وحدة التحقيق حتى انتهاء الإجراءات".

تعقيب اللجنة لمناهضة التعذيب

قالت اللجنة لمناهضة التعذيب إن "21 شهادة قاسية، جمعتها اللجنة لمناهضة التعذيب وجمعيات حقوقية أخرى، من أسرى فلسطينيين من عدة سجون إسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، جميع الشهادات مبنية على شهادات حيّة من الأسرى، أو من محامي الدفاع عنهم، وعلى إثره تم تسليم المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية رسالة خاصة حول قضية التعذيب في السجون، وتعامل سلطة السجون مع الأسرى الفلسطينيين".

وأضافت أنه "كما سبق حذرنا في رسالة للمستشارة القضائية، ومديرة سلطة السجون، من أن السجون الإسرائيلية أصبحت مكانًا تتعرض فيه حياة الأسرى الفلسطينيين المحتجزين فيها للخطر. ومنذ بداية الحرب، قمنا بجمع أدلة وشهادات على عمليات ضرب وعنف غير مبرر، وسوء المعاملة والإذلال والعنف الجنسي. ستة أسرى توفوا في السجون منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر، هناك قلق حقيقي من أن سلطة السجون تتحول من هيئة سجن مهنية إلى قوة انتقامية عقابية. يجب التحقيق على الفور في جميع الحالات من سوء المعاملة وحالات الوفاة، ويجب محاكمة المسؤولين عن هذه الحالات وإخراجهم من الخدمة، ويجب السماح للمحامين وموظفي جمعية الصليب الأحمر بالوصول الكامل إلى السجون لتفقد أوضاع الأسرى".

2024-01-22