الجمعة 29/9/1441 هـ الموافق 22/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الفايننشال تايمز:من مصلحة العالم إبعاد أمريكا عن التطرف

جديون راشمان من لندن:

بالنسبة إلى الذين يشعرون بالقلق من أن دونالد ترامب هو بمنزلة موسوليني جديد، لديّ أخبار مُطمئنة. بناءً على أدائه في سباق عطلة نهاية الأسبوع في بليموث، نيو هامبشير، فإن ترامب متحدّث ممل للغاية على نحو لا يؤهله ليكون ديكتاتورا فاشيا قادرا على الإقناع.

خطابه الطويل غير المتماسك - المليء بالشكاوى حول المدة التي كان قد استغرقها للقيادة إلى مكان اللقاء في شمال الولاية - جعل جمهوره يشعر بالنعاس، مع مغادرة بعضهم في وقت مبكر للذهاب إلى حفلات بطولة كرة القدم الوطنية. حتى موضوع ترامب التقليدي لإسعاد الجمهور بشأن "بناء السور" مع المكسيك لم يحظ سوى بتصفيق فاتر.

مع ذلك، على الرغم من عيوبه الواضحة كمتحدث وكإنسان، إلا أن ترامب نجح لعدة أشهر في الهيمنة على الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. نجاحه في السباق الجمهوري - ونجاح بيرني ساندرز، الذي يصف نفسه بالاشتراكي، على الجانب الديمقراطي - يشهد على كيف أن المؤسسة السياسية خسرت ثقة الناخبين.

يبدو أن كثيرا من الأمريكيين استنتجو أن النظام السياسي فاسد جداً ومختل وظيفياً بحيث يُمكن الوثوق بشخص من الخارج تماماً ليتولى المسؤولية. هذه النقطة أصبحت واضحة بالنسبة لي عندما كنت أتحدث مع ناخب محتمل لترامب على هامش التجمّع في بليموث. هذا الرجل، الذي يبدو أنه محام مُزدهر، أخبرني أنه إذا لم يصوّت لترامب فإنه سيختار ساندرز.

إعلانات ترامب وساندرز للناخبين تشترك في بعض أوجه الشبه القوية. كلاهما يلوم السياسيين السائدين لارتباطهم بالمصالح الخاصة وجماعات الضغط الفاسدة. ويستفيد ترامب، الملياردير، من حقيقة أن حملته مموّلة ذاتياً - ما يجعله في مأمن، كما يقول، من الضغوط التي تمارَس على جميع الجمهوريين الآخرين من قِبل الجهات المانحة لهم.

جمع ساندرز معظم أموال حملته من متبرعين صغار وتفوّق على هيلاري كلينتون من خلال الإشارة إلى مئات الآلاف من الدولارات التي قبلتها من أمثال جولدمان ساكس لإلقاء محاضرات.

حجة ساندرز القائلة إن "أنموذج الأعمال في وول ستريت مُخادع" تجد إقبالاً من الجماهير. في الواقع لو كان هناك أي شخص قال أي كلمة جيدة عن وول ستريت في هذه الانتخابات، فلا بد أنها غابت عنّي. أكثر ما تفعله هيلاري هو أن تُشير بشكل متردد إلى أن "الجشع" في الشركات المالية الكبرى وإن كان سيئا، إلا أنه ليس المشكلة المُلحّة الوحيدة التي تواجه الولايات المتحدة.

في خطاباتها، تستعرض هيلاري باستمرار فهمها المُثير للإعجاب للتفاصيل والسياسة العامة. لكن حجة حملتها أنها ستكون "جاهزة من اليوم الأول" لتكون رئيسة تؤكد مكانتها عضوا كاملا في المؤسسة السياسية. وهذا يبدو محفوفاً بالمخاطر عندما تكون هناك أجزاء كبيرة من الشعب الأمريكي تكره النخبة السياسية.

في المقابل، كل من ترامب وساندرز يترشّحان من هوامش حزبيهما. كلاهما قال أشياء يُمكن اعتبارها بمثابة انتحار سياسي في أي عام عادي. ترامب ربما هو المُرشّح الأكثر عنصرية منذ جورج والاس ـ المؤيد للفصل العنصري ـ في انتخابات عام 1972. وساندرز يدعو نفسه "الديمقراطي الاشتراكي" - في بلاد دائماً ما كانت ترفض الاشتراكية.

لكن حقيقة أن كلي الرجلين سعيد بتحطيم المحرّمات البلاغية تعزّز ادّعاء كل منهما أنه خارجي حقيقي. ويبدو أن هذا ما يبحث عنه الناخبون.

كلا الرجلين ذهب إلى الانتخابات التمهيدية في نيو هامبشير يوم الثلاثاء باعتباره المرشح الأوفر حظاً للفوز، وهو ما تحقق بالفعل. لكن الرأي الشائع يبقى أنهما سيفشلان في وقت لاحق في الحملة. قبل عام فكرة أن ترامب وساندرز يُمكن أن يخرُجا فائزين من نيو هامبشير كان من الممكن اعتبارها بحد ذاتها أمراً سخيفاً. لذلك من يعرف؟

لكن ما هو واضح منذ الآن أن الطبقة السياسية في أمريكا بدأت للتو بفهم عُمق المزاج المناهض للمؤسسة الذي يجتاح الولايات المتحدة. تقريباً بعد ثمانية أعوام من الأزمة المالية، يبدو أن هذا المزاج يزداد قوة، ولا يضعف. إعلان الرئيس باراك أوباما الأسبوع الماضي أن معدل البطالة في الولايات المتحدة أصبح الآن أقل من 5 في المائة بالكاد لقي آذانا في الحملة الانتخابية.

بدلاً من ذلك، كل الحديث عن طلاب يترنّحون تحت وطأة الديون غير المُسدّدة، واضطرار الوالدين للعمل في وظيفتين أو ثلاث وظائف بأجر متدن لتغطية نفقاتهم. لقد تم الآن، بشكل أو بآخر، اعتماد فكرة أنه تم "التلاعب" بالاقتصاد لمصلحة المُطّلعين من قِبل معظم المرشحين في كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن تقريباً جميع المرشحين الذين ترشّحوا في نيو هامبشير يُعتبرون شعبويين غير مقنعين. حقيقة أنهم ترشّحوا للرئاسة في حد ذاتها هي مؤشر قوي إلى أن هؤلاء الناس أعضاء ناجحون في النخبة الأمريكية. حتى تيد كروز، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، الذي يُظهر نفسه على أنه الخارجي النهائي، هو محاور سابق في جامعة برينستون متزوج من مصرفية في "جولدمان ساكس". هذا النوع من التباعد يزيد فقط من السخرية الشعبية عن السياسة - ويُسهّل صعود المهاجمين الواضحين للمعتقدات.

إذا استمر توق أمريكا للقادة المناهضين للمؤسسة من الهوامش السياسية، فإن الآثار المترتبة ستكون عميقة - بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإلى العالم. النظام الذي يُهيمن عليه الديمقراطيون والجمهوريون دائماً ما كان يرفض التطرف السياسي. وهذا يعني أن الأمة، خلف الدراما اليومية، قد استفادت من الاستقرار السياسي العميق الذي أسهم إلى حد كبير في قوتها الاقتصادية ونفوذها العالمي. إذا كانت حصانة أمريكا من التطرف ستنتهي، فإن العالم كله سيشعر بالعواقب.

2016-02-13