الجمعة 6/1/1441 هـ الموافق 06/09/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الانتخابات الرئاسية في تونس: مشاعر التونسيين و'الفيسبوك' يحرّكان اللعبة

تونس – صالح سويسي

يبدو المشهد السياسي التونسي مبعثرا وغير واضح المعالم أو التوجّهات، ذلك أنّه لم يحدث في تاريخ البشرية -على ما نعلم- أنّ ترشّح لمنصب رئيس الدولة ما يقرب من 100 مترشّح وافقت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على 26 منهم بينهم مرشّح صنعه "الفيسبوك"وآخر فارٌّ خارج البلاد وثالث موقوف ومتّهم بتبييض الأموال والتهرّب الضريبي!!!

في تونس يقف المواطن أمام حائط فيه 26 خانة مزدوجة لنشر صور المرشّحين وبرامجهم الانتخابية.

26 صورة لـ 26 مرشّحا بعضهم وزراء سابقون وبعضهم وزراء مباشرون وبعضهم يمارسون السياسة منذ عقود، فيما يشارك البعض الآخر لمجرد تسجيل الحضور أمام تقلّص فرص الظفر بأصوات الناخبين.

وبالمقابل ثمّة مرشّحون مدعومون بأحزاب قوية وآخرون بأحزاب فتيّة، وفئة أخرى بأحزاب لا يكاد التونسيّون يسمعون بها، كما ترشّح عدد آخر كمستقلّين، فيما نجد أيضا ضمن هذه الفسيفساء مستقلّين في الظاهر ولهم سندهم الحزبي في الخفاء.

 

المشاعر التونسية الفيّاضة

لم يكن اسم وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي على قائمة الذين ينوون الترشّح لمنصب رئيس الجمهورية، ولعلّ الرجل لم يفكّر في ذلك، ولكن بعد جنازة الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي بَرَزَ اِسم الزبيدي بشكل مفاجئ ولم يتوقّع أحد أن يصبح الرجل حديث الناس بتلك السرعة الفيسبوكية العجيبة.

سرى الأمر بسرعة كبيرة وأصبح الوزير الذي أنجح جنازة الرئيس مطلوبا ليكون خَلَفًا للرئيس، وبات الأمر في زوايا "الفيسبوك" أشبه بمطلب شعبي عام.

الجميع يتحدثون عن هذا الوزير "الطيب ونظيف اليد" والذي سهر على وصول الرئيس لمثواه الأخير في أحسن الظروف.

نعم بكل هذه البساطة مرّروا الأمر والذي تحوّل في مرحلة أخرى إلى أمر واقع حين تقدم الرجل بشكل رسمي بترشحه لرئاسة البلاد "تحت ضغط شعبي" أو هكذا تمّت تهيئة الأمر ليظهر وكأنه كذلك.

ومع ترشّح الزبيدي انطلقت عشرات "الصفحات الفيسبوكية" المموّلة لتصبّ في سياق "نظافة" الرجل وكفاءته وجدارته بكرسي الرئاسة، وبالمقابل بادرت صفحات مموّلة أخرى إلى ضرب وزير الدفاع والتشكيك في كفاءته وأحقّيته في الترشح وصلت حدّ التشويه أحيانا.

وزير الدفاع الذي لم يستقل وطلب إجازة ليتفرّغ لحملته الانتخابية يواصل اكتساح مواقع التواصل الاجتماعي ويجمع المؤيّدين حوله رغم تشكيك الكثيرين فيه وفي إمكانية فوزه نظرا لعديد الهفوات الاتصالية التي اِقترفها الرجل وآخرها حديثه عن محاولة اِنقلاب كانت ستشهدها البلاد يوم 27 جوان الماضي وهو ما اِعتبره كثير من المراقبين خطأ فادحا وضربا لواجب التحفّظ بما أنه وزير للدفاع وعضو في مجلس الأمن القومي، فيما رأى مؤيّدوه أن تصريحات الزبيدي تتنزّل في سياق وضوحه وشفافيّته مع التونسيين.

 

"أطعم الفم تستحي العين"

جاء في المدونة لشفوية التونسية التي تحفل بآلاف الأمثلة الشعبية، مثل يقول "أطعم الفم تستحي العين" وهو مثل ينطبق تماما على حالة نبيل القروي أحد أبرز المترشّحين لرئاسة الجمهورية.

فقد بَرَزَ اِسم القروي من خلال برنامج "خليل تونس" على قَنَاتِهِ الفضائية "نسمة" الذي يشتغل أساسا على تصوير الحالات الإنسانية الهشّةّ من فقر ومرض وخصاصة ليعمل فيما بعد على مساعدتها بكل ما توفّر لدى الجمعية التي أسسها إثر وفاة اِبنه في حادث مرور سنة 2016.

ولما يقرب من ثلاث سنواتعملت القناة على إبراز صاحبها في صورة "صديق الغلابة" و"ناصر الفقراء والمساكين" والرجل الوحيد الذي يتذكّر تلك الفئات المهمّشة التي تنساها الحكومات المتعاقبة أو تتناساها، وبالتالي توفير حزّان انتخابي لصاحب القناة يمكّنه في مرحلة قادمة من الدخول بكل ثقة وقوة في المنافسة على "كرسي قرطاج".

نبيل القروي الذي كان من أسباب وصول الباجي قائد السبسي لسدّة الحكم في انتخابات 2014 أمام محمد المنصف المرزوقي الذي كان مدعوما من حركة النهضة في الدور الثاني، واِستغلّ محطّته التلفزيونية بشكل مباشر في ذلك، يَبْرُزُ اليوم كأحد المرشّحين الذين يحظون بحضور هامّ لدى فئة كبيرة من التونسيين الذين زاد تعاطفهم معه بعد أن تمّ إيقافة صحبة شقيقه غازي بتهمِ تبييض الأموال والتهرّب الضريبي مما يشكّل خطرا على مواصلته مشواره الانتخابي إذا ما تمّ الحكم عليه بالسجن.

ولئن تضاربت المواقف من عملية إيقاف القروي، حيث ثمّة من رأى أنه قرار سياسي بامتياز يدم مصلحة رئيس الحكومة يوسف الشاهد، فيما يرى آخرون ضرورة التسريع بالحكم عليه وسحب البساط من تحت أقدامه حتى لا يصل لقصر قرطاج سيّما أنه استغلّ وفاة ابنه الوحيد في حادث سير وأسس جمعية باسمه أصبحت توزّع المساعدات في كامل البلاد ما سهّل عملية قبوله كمرشح للرئاسة لدى الفئات المهمّشة ليظفر فيما بعد بدعم عدد من السياسيين المنشقين من حركة نداء تونس التي كان أحد مؤسسيها.

سياسة الاستعطاف

في حالة الزبيدي كما في حالة القروي، يَبْرُزُ اللّعبُ على المشاعر واِعتماد سياسة الاستعطاف للوصول للهدف مهما كان، وفي هاتين الحالتين كان الهدف رئاسة البلاد، وهو أمر يستحقّ العناء والتعب واِستغلال أي شيء وكل شيء بما في ذلك ما يمرّ به التونسيون من حالات التفقير والخصاصة والإحباط والشكّ المتواصل في مستقبل البلاد الذي يَبْدُو لدى أغلب التونسيّين ضبابيّا جدا بل إنّ البعض لا يرى أية بقعة ضوء في آخر النفق.

مرة أخرى تلعب المشاعر دورا متزايدا في تحديد توجّهات التونسيين مع استغلال خبيث وممنهج لموقع التواصل الاجتماعي الأول في تونس "فيسبوك" الذي يتعامل معه كثير من التونسيين كمصدر خبر وبوّابة للحقيقة دون أدنى تفكير أو بحث أو تثبّت، لتصبح الإشاعة والأخبار الكاذبة أو المغلوطة "fake news" هي من تحدد توجّهات التونسيين ونوايا التصويت لديهم بقصع النظر عن الأسماء والبرامج.

2019-09-06