الجمعة 15/5/1444 هـ الموافق 09/12/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
إن ربك لبالمرصاد قصة /بقلم محمود فودة

كان يتسكع في الشارع معلقاً في يديه مجموعة من الأكياس البلاستيكية ...رنّ هاتفه مرات كثيرة ,أخرجه من جيبه ووضعه على أذنه ..آلووو ..فإذا به يسقط من يده و يلقي ما بيده الأخرى من أكياس و ينطلق عدواً بأقصى ما أُوتي من قوة كأنً مارداً يطارده ..ظل ينفلت من بين السيارات و يتخبط في المارة و شريط حياته يمر على شاشة عقله من يوم حقق التفوق في الشهادة الثانوية ... طارق وحيد أبيه من البنين و ليس له إلا أخت واحدة تكبره بعامين شاب في مقتبل الشباب ونضرته ..كان مدللاً كل طلباته مجابة و مع ذلك كان أبوه صارماً في تربيته .. الطعام بميعاد و النوم بميعاد ومشاهدة التلفاز لها جدول أسبوعي ... .. كان الطفل طيعاً في يد أبيه شكله كما تتشكل قطعة الصلصال في يد المثال ...لم يخرج الولد قط عن الخط المرسوم له ,لم يكن له من صديق إلا الكتب التي استظهرها عن ظهر قلب و لا ضيف له إلا المدرس الذي سيحشو عقله بلفائف الكتب ..كان كما العذراء في خدرها لم يكن يحفظ من قاموس الشتم كلمة واحدة ,و لا يعرف من خبرات الحياة إلا القليل .. يوم ظهور نتيجة الشهادة الثانوية كان منتهى أمل الأب الذي كرس حياته من أجله ...لم يخيب طارق ظن أبيه و حاز له على ما ترنو إيه نفسه ..التحق بكلية الطب في المنصورة التي لا تبعد عن قريته غير سبعين كيلو متراً.. لم يسكن المدينة الجامعية و لم يقبل له أبوه أن يقضي الأيام جيئة وذهاباً فاستأجر له شقة قُريب الجامعة و أثثها على أحسن حال .. و رفض أن يشاركه فيها أحد من أبناء بلدته في نفس الجامعة و كأنه في قرارة نفسه و بدون قصد أراد ان يضرب عليه باب العزلة لكن بعيداً عن يده وعينه صار طارق تلميذاً نجيباً في قاعات الدرس و خارجها وقد بذل مجهوداً خارقاً في التوافق مع أقرانه والتواؤم مع ما يجري حوله ...شعر بأنه لم يكن يحيا قبل ذلك .. انطلق المارد من قمقمه فانطلق يحمل معوله يحطم به الجدار العازل الذي حجبه عن عالمه الجديد المبهر ..كان حريصاً على مصادقة الجميع ومن الجنسين .. صارت جلساته على الكافتيريا و كان بالنسبة لأصحابه دجاجة تبيض ذهباً ..كان كثيراً ما يضيق بأصحابه أو بالأحرى يضيق بنفسه فقد وجد نفسه مثار سخرية فكل ما عرضوا عليه أمراً يقول ..أول مرة في حياتي أفعل كذا حتى كره هذه الكلمة و أقسم بينه و بين نفسه ليغلبنّهم جميعاً حتى ولو كان بينهم الشيطان الرجيم..عكف على الشهوات و بارز ربّه بالخطايا ..كانت جلساته مع ندمائه من الساقطين و الساقطات, تجارة النساء سوقه الرابحة و المخدرات مرتعه ...الجامعة بالنسبة له صارت ذكرى و الشقة المستأجرة أصبحت وكراً لطالبي الهوى ساعده على ذلك سفر أبيه المفاجئ إلى الإمارات وسرعان ما تبعته أمه و صار لا يربطهم غير الهاتف ...وربما شغله ندماؤه عن مهاتفة أبويه .. في الوقت الذي كسر فيه طارق كل الحدود و تعدى كل عرف وقانون ..كانت رانيا آية في الالتزام و الرقة و كانت أبدت لوالديها رغبتها في أن تذهب إلى المنصورة وتقيم مع طارق لأنها لا تجد الراحة عند خالتها ..فطلبا إليها أن تنتظر بضعة أيام حتى يناقشا طارقاً في الأمر و يعد العدة لذلك ... في ذات اليوم كان طارق يسامر أربعة من أصدقائه ..اتصل بإحدى الفتيات الساقطات ..و قال لهم هي ملك لكم فافعلوا ما شئتم بها ثم خرج و تركهم وحدهم... المهندس مصطفي يحاول أن يتصل بطارق لكنه لساعات لم يرد ...مر عليه الوقت كالدهر و بعد طول وقت رد طارق على الهاتف و لأول مرة يفقد مصطفى أعصابه و يشتمه ....انت فين يا حمار ..أنا مش عارف أوصلك فبعت لك أختك على المنصورة...سقط الهاتف من يده وأسرع كالمجنون إلى الشقة

2012-11-04