الأربعاء 28/10/1442 هـ الموافق 09/06/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حصان الشعر الجامح....أمل عقرباوي

 بعد قراءتي لكُل هذا الألق، أشعر بِأنَّ عُقمًا طارئًا أصاب أبجديتي... وكأنَّ هامتيّ القلم والحرف تنحنيان، أمام هيبة ورهبة مجموعة الشاعر الفلسطيني "محمد خضير" الشعرية "سُلامى"، التي صدرت في عمّان 2021، عن دار خطوط وظلال... في سُلامى، تفيضُ جاذبية الحرف وهي ترتدي بإناقة بردةَ الإحساس، معتمرة قبعة الفرادة، هنا أجدُ نفسي مُرغمة على القراءة بخشوع.

سُلامى، حصان عربيٌ مجنونٌ جامح.. يركض في حدائق الشعر الغناء، وحداثة الكلمة التي ما غادرت بحور الشعر، وما تفلّتت من عروضه وموسيقاه... قصائد الحسّ المرهف؛ بل رسائل مُفعمة بالشفافية، كمخطوطة ذات حروفٍ عتيقة تُلامس القلب والعقل معًا.. وتعلَق في شواهق الروح، كيف لا، وصاحبها قابضٌ على ناصيتيّ الحرف والجمال.. إلّا أنّ الجمال في حدائق سُلامى؛ فيه ارتواء الغيث، وقمصان الربيع... هنا، تتعاضد الكلمة مع الوصف والحس المرهف العالي الشجن. سُلامى.. يمثل خروجًا على ما ألفناه، وعلى ما قرأناه من دواوين.. كأنك أيها الشاعر الشاعر، عفريت من الجنِّ، يلقي تعويذته علينا بالقول: "أنا الأعمَى الذي كُسِرَتْ عَصاهُ بلا ذنبٍ، وَما تابَت خُطاهُ أتيتُ كريمَ كفٍّ ذاتَ فقرٍ فألقَى للطريقِ حَصَى قِراهُ رجعتُ وقلبيَ الخالي يتيمٌ فمن يكُ حانيًا ويكن أباهُ؟ غَريبًا في زِحامِ العُمْرِ أمشي عَسى حَظِّي يُصادِفُني عساهُ" في هذا الفيض الشعريّ الروحانيّ، نجد أنفسنا غارقين في عمق المعنى لوجودنا وكينونة حياتنا، كما أنَّ الطابع الوجداني والوطني/ سمتان بارزتان في العديد من القصائد التي تنوعت بحورها، إذ نجد التعبير عن الحزن الذي يُلامس وجداننا بحروف ترسم الذات والمشاعر بسموّها وقدسيتها، فما أجمل الاستنشاق من عبير هذا الشعر العاصف الوفي المعتق الوجدان، يقول خضير في غير قصيدة: "ولمّا مِتُّ حُبًّا قلتُ: أدريْ بأنَّ الحُبَّ يقتلُنا... لِنحْيا أموتُ اليومَ، لكنْ أيُّ موتٍ لِيبْعثَني إلهُ الحُبِّ وَحْيا؟ ‏الفرق كبيرٌ جدًا، بين أن تجد نفسك أمام كتابٍ أُرغمتَ على تصفّحه على عجلٍ، لكنه لم يُحرك فيك ساكنًا.. وبين كتابٍ تلتهمه حدّ النهمِ، عندها فقط، تتوهج الروح، فتطير بخفة مثل فراشة... قبل أن تنغلق على نفسها.

إنه الارتواء الكافي من بحور الكلمة والوصف والحس المرهف.

أمل عقرباوي – الأردن

2021-03-11