الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الرأسمالية و جائحة كورونا... بقلم الأسير الكاتب كميل أبو حنيش

قد يكون من المناسب أن نتريث قليلًا في استشراف ما يمكن أن تخلفه جائحة الكورونا من أزمات وكوارث على كافة مناحي الحياة الإنسانية، حتى يُكشف الستار عن الأرقام والمعطيات الحقيقية على صعيد الضحايا والخسائر الاقتصادية، والتي لا تزال على ما يبدو أرقامًا أولية، ولكن في المتاح وقياسًا على معرفتنا لطبيعة الرأسمالية السائدة في عالم اليوم، وارتباطًا بعشرات التجارب السابقة لمثل هذه الكوارث يمكننا رسم صورة ولو جزئية للمنهج أن تنتهجه الرأسمالية العالمية في إدارة أزمة هذا الوباء، وما الذي يمكن ان تفرضه الولايات المتحدة الزعيمة الحالية لهذه للرأسمالية.

وعلى ما يبدو وكما ان أسطورة "فاوستوس" الذي باع روحه للشيطان في سبيل المعرفة الكاملة، فإن الرأسمالية التي تحتكر لنفسها المعرفة والعلوم والسلاح وكل ما من شأنه أن يعزز من هيمنتها الشاملة

قد باتت عاجزةً عن التصدي لهذه الجائحة، فما الذي يبعه فاوستوس للشيطان بعد؟ ما الذي تبقى  للرأسمالية من ممارسات فظيعة لم ترتكبها بعد؟ تلك التي تحولت في العقود الأخيرة إلى "رأسمالية الكوارث" بامتياز، وغدت أكثر طفيلية وشراسة، لم تعد صانعة للحضارة والتقدم وإنما باتت تقتات على المآسي والكوارث.

فهذه الرأسمالية التي تقود العالم هي المسؤولة المباشرة عن تفشي هذا الوباء وما يخلفه من مآسي، ذلك لأنها لم تخصص الموارد الكافية التي من شأنها أن تحد من إمكانية ظهور أو تفشي الأوبئة كما أنها لم تحجم يومًا عن صناعة وتطوير الأسلحة الجرثومية، بل ساهمت سياساتها على كافة الأصعدة إلى خلق المناخ الملائم لتنامي الأوبئة والحروب والمجاعات، وفي كل كارثة إنسانية تخرج الرأسمالية هي الكاسبة، فطبيعتها الطفيلية والعنيفة لا تمكنها من العيش وتواصل تكديس الأرباح إلا على الكوارث الإنسانية، وعلى ما يبدو فإن هذه الجائحة ستطور من امكانياتها وأفكارها في كيفية الاستفادة من هذه الجائحة وتحويلها إلى فرصة ومكسب ووسيلة استمثار جديدة.

وهذه الرأسمالية التي ولدت عددًا من المذاهب الفكرية الأكثر تطرفًا "كالمالتوسية" التي ترى بالأوبئة والكوارث الطبيعية والحروب وسائل مهمة في الحد من تزايد البشر الذين لا حاجة لمعظمهم، و"الدارونية الاجتماعية" التي ترى أن البقاء فقط للأقوى والأكثر ثراءً وحضارة فإن هذه الرأسمالية هي المسؤولة عن الحروب طوال القرنين الماضيين، وأيضًا هي المسؤولة عن انتشار الاوبئة والمجاعات. تلوث البيئة والمياه، التي خلّفت مئات الملايين من الضحايا.

 

ويتعين علينا التذكير بعشرات الآلاف من البشر الذين يموتون يوميًا بسبب الجوع، ومثل هذه الأرقام يموتون بسبب الأوبئة، في شتى أرجاء العالم، وحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية فإن 80٪ ناجمة عن الماء الملوّث، ويموت طفل في العالم كل 8 ثواني بسبب تلوث المياه، وتؤكد الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية بأن بضع عشرات من مليارات الدولارات كفيلة بتزويد الماء النقي والغذاء وخدمات الصرف الصحي والتعليم الأساسي لكل فرد على وجه هذه الأرض، غير أن النظام الرأسمالي العالمي لا يكترث بهذا الرأي، وبمعنى في سياساته التي لا ينجم عنها سوى ازدياد تمركز الثروات في دول الشمال الغني، فيما تستمر عملية إفقار ونهب ثروات دول الجنوب الفقير.

أما الولايات المتحدة المتزعمة لهذا النظام والتي تحاول اتهام الصين بالمسؤولية عن تفشي هذا الوباء، فيكفي التذكير بماضيها  الأسود بالحروب ونشر الأوبئة، حيث شنت أكثر من 93 حربًا جرثومية ضد الهنود الحمر من القرن السابع عشر وحتى القرن العشرين، وهي الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي في الحرروب، وهي التي تُحوّل اقتصادها في العقود الأخيرة من انتاج السلع والخدمات، إلى اقتصاد غير منتج وغدا أكثر إنتاجًا لعملة الدولار  الورقية، وللأزمات الاقتصادية والحروب وبدلًا من ان تنفق الأموال على تطوير العلوم وصناعة الادوية، أنفقت أكثر من ألف مليار دولار على صناعة الأسلحة فقط منذ الحادي عشر من سبتمبر.

 

فكيف ستتصرف الولايات المتحدة ومن خلفها منظومة الدولة الرأسمالية، مع هذه الجائحة:

1- ترى الرأسمالية أن هذا الوباء المتفشي، يقضي وفقط على الفئات الأكثر ضعفًا وكبار السن وذوي الامراض المزمنة والفقراء والمهاجرين الذين لا يملكون العلاج، أو حتى الوقاية أو الحجر الصحي، فهي ترى بهذه الضحايا مجرد نفايات بشرية غير منتجة ومكلّفة، ولا بأس من التخلص منها وعدم التضحية بالاقتصاد وإنما التضحية بهذه الفئات من البشر على حرية السوق والأرباح.

وستسارع الدولة الرأسمالية، تحت ضغط الشركات والبنوك إلى فتح الاقتصاد واستئناف الأنشطة الانتاجية والتعايش مع هذا الوباء الذي ترى فيه أنه جاء لخدمتها على أكثر من صعيد ويعبر ترامب بشكل واضح وصريح عن هذا الاتجاه الذي يعتبر الجائحة فرصة ينبغي استثمارها على أكثر من صعيد محلي وعالمي.

 

2- ستسعى الدولة الرأسمالية، لا سيما الولايات المتحدة وتحت وقع الصدمة التي خلفها الوباء وانشغال البشرية في الوقاية والتصدي لهذه الجائحة، إلى فرض سياسات وقوانين وقواعد ذات طبيعة داخلية وخارجية تمس الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات والشعوب، كالحد من الحريات ومصادرة بعض الحقوق، وخصخصة العديد من المرافق الحيوية وتعويض الشركات المتضررة من أموال دافعي الضرائب والغاء القواعد التي تجد لنا تراكم الأرباح، والحد من تحويل البرامج الاجتماعية، وخفض الضرائب، كما ستسعى لفرض المزيد من التشريعات الهادفة لتعزيز قبضة الشركات، والخصخصة الكاملة للمرافق الصحية وفرض شروط وسياسات جديدة على البلدان الفقيرة مقابل توفير بعض الأدوية والمستلزمات الطبية، وتتحرك الرأسمالية في هذا الإطار على هدي مذهب الاقتصادي الرأسمالي "ملتون فريدمان" وعبارته الشهيرة "وحدها الأزمة سواء كانت الواقعة، أم المنظورة، هي التي تُحدث التغيير الحقيقي".

3- تُنذر هذه الجائحة بأزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة ستكون هي الأقسى منذ العام 1929، وستكشف هذه الازمة عن عجز الدولة الرأسمالية عن تلبية الحاجات الأساسية للبشر، وعن حجم الاقتصاد الوهمي والغير منتج، وفي ذات الوقت قد تدفع أزمة العجز في تلبية هذه الاحتياجات وسد النقص، إلى اندفاع أعداد هائلة من المنتجين إلى السوق، الأمر الذي سيولّد أزمة فيض الانتاج مما سيوصل الاقتصاد العالمي إلى حالة من الركود، وسيتولد عن هذه الأزمة ارتفاع نسب البطالة والفقر، وقد تقود إلى حروب طاحنة بين بعض الدول الكبرى وحروب أهلية في العشرات من الدول.

4- إن أزمة الكورونا لم يتضح بعد حجم أضرارها الحقيقية في البلدان الفقيرة لأنها تفتقد أصلًا إلى الإدارة الحديثة والموارد والمستلزمات الطبية والكوادر المناسبة، فضلًا عن تخلف واستبداد العديد من الانظمة السياسية في هذه البلدان، مما يلقي بظلالٍ الشك حول صحة الأرقام والمعطيات الصادرة عنها، وإذا تمكنت الغنية من مواجهة هذه الجائحة، فإن الدول الفقيرة ستشهد اتساعًا وتفشيًا لهذا الوباء وقد يجري تركها لمصيرها، وفرض المزيد من الشروط، والابتزاز السياسي عليها من قبل الدول الكبرى مما يعرضها إلى المزيد من الضعف والهشاشة التي تعاني

منها أصلًا.

ومن المتوقع ان يطول أفق هذه الجائحة، وما تولده من أضرار كبيرة، ويتعين علينا التنبه إلى إمكانية استغلال هذا الوباء وإطالة أمده، فظهور الوباء وتفشيه ليس نتيجة لمؤامرة صنعتها أيدي مجهولة إلا أن استمراره وإطالة امده واستغلال النتائج الناجمة عنه حتمًا سيكون مؤامرة، بل ومن المؤامرات الكبرى والخطيرة التي من الممكن أن تُحاك ضد الجنس البشري برمته لا سيما الشعوب الفقيرة والضعيفة في هذا العالم.

 

بقلم الأسير الاديب : كميل أبو حنيش

سجن ريمون  

2020-05-10