الأربعاء 8/10/1445 هـ الموافق 17/04/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
خطة التمرير وإنهاء المصير....عائد زقوت

دون شك أنّ اسرائيل طوال الوقت تسعى لتنفيذ مخططاتها التوسعيّة في المنطقة العربيّة وتنفيذ رؤاها الأيديولوجية المتطرفة، ولا شك أنّها اتّخذت من عمليّة الطوفان مبرّرًا لاستئناف تلك المحاولات خاصةً على صعيد تمرير مشروعها التّصفوي للقضيّة الفلسطينية القائم على رفض قيام دولة فلسطينية مستقلّة ذات سيادة والاكتفاء بمنح الفلسطينيين حٌكمًا ذاتيًا موسّعًا، وإنهاء حق تقرير المصير وتجسيد الهوية الفلسطينية، فقد جاءت رؤية نتنياهو لليوم التالي لِما بعد الحرب متسقةً مع تصريحاته المتكررة، وكافّة محاولاته في ترسيخ الانقسام الفلسطيني وتقزيم دور السّلطة الفلسطينية في الضّفة الغربية كسبيل لتقويض إقامة الدولة الفلسطينية، وجاءت تصريحات سموتريتش المستوطن الوزير المتطرف في حكومة إسرائيل ضد قيام الدولة الفلسطينية ، وضد مصر بتحميلها مسؤولية كبيرة في دخول السلاح إلى غزة حسب زعمه لتؤكد أن الهدف من هذه الحرب ليس تقويض قدرات حماس العسكرية والإدارية، إنّما هو استهداف للوجود الفلسطيني والحركة الوطنية، والمنطقة العربية بأكملها وفي مقدمتها مصر. جاء توقيت الكشف عن الخطة استباقًا لمحادثات باريس في إطار رفض نتنياهو إنهاء الحرب، ورفضه للحلول السياسية للصراع العربي الاسرائيلي القائم في المنطقة وجوهره قضية فلسطين، حيث بات يعتقد نتنياهو أن الظروف الراهنة تسمح له بتمرير معتقداته في نبوءة أشعِياء التي تخبر بامتداد الدولة العبرية بين مصر والعراق، لكن نتنياهو ذهب لأبعد من ذلك من خلال هذه الخطة فقد عرض نبوءته الخاصة أنه يمكن امتداد الدولة العبرية من المحيط إلى الخليج، وأنّ إسقاط غزة وسلخِها عن الضفة الغربية هو سقوط أهم الحصون أمام نبوءته وأحلامه، ويبدو له أنّ هناك خريطة جديدة ستظهر رويدًا مع تطور العملية العسكرية في البحر الأحمر بعد دخول مهمة اسبيدس حيز التنفيذ.

في هذا السياق جاءت الخطة لتعلن بشكلٍ مباشر إعادة احتلال قطاع غزة وفرض السيطرة الأمنية عليه، واحتفاظه بحريّة العمل الأمني داخل قطاع غزة فيما يُعرف اسرائيليًا بالمطاردة الساخنة، مما سيفتح المجال لتنفيذ خطة التهجير القسري أو التهجير القسر طوْعي ليمرر مشروع الضم، وتصفية وإنهاء الحق الفلسطيني في تقرير المصير ،وتقويض حقه في اختيار مُمثليه، والانقضاض على دوْر المؤسسات الأممية وعلى رأسها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في إطار تصفية قضية اللاجئين وحقهم في العودة. تهدف خطة نتنياهو لإطالة أمد الصراع والحرب في المنطقة كضامن رئيس لاستمرار دولة إسرائيل، وكذلك محاولة التخلّص من الحالة السيكولوجية المسيطرة على العقليّة الاسرائيلية من عقدة الثمانين بحيث لم يُسجّل التاريخ استمرار دولة عبرية أكثر من ثمانين عامًا. يحاول نتنياهو من خلال هذه الخطة التأكيد على عدم وجود شريك فلسطيني يُمكن إنجاز أيّ اتفاق معه، مستندًا على الانقسام الفلسطيني الذي مزّق الهوية الفلسطينية، ومسألة دعم الإرهاب، حيث كان لهذه الرؤية صدى على مستوى القادة الغربيين والمؤسسات الاعلامية ومراكز الأبحاث.

عودة نتنياهو لهذا الطرح في هذه المرحلة لمواجهة الحديث عن ضرورة الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قِبل أميركا ومعظم الدول الغربية من خلال التأكيد أن اسرائيل حكومة وبرلمانًا ترفض الإملاءات الدولية فيما يتعلق بتسوية دائمة مع الفلسطينيين، ولا يُمكن التوصل إلى مثل هذه الترتيبات إلا من خلال المفاوضات المباشرة بين الطرفين دون شروط مسبقة، هذا الموقف الاسرائيلي الرافض للتعاطي مع الجهود الدولية هل يُمكن له أن يخلق رأيًا عامًا أميركيًا وغربيًا بأنهما لا يملكان شريكًا اسرائيليًا يُمكن التناغم معه والسير قدمًا نحو تجسيد الدولة الفلسطينية حسب المقترح الأميركي حتى وإن كانت كالبيت الفارغ بلا مفتاح. السؤال المطروح عرضًا وطولًا هل الأداء الفصائلي الذي أتخمَنا شعارات وبيانات وكان جزءًا من مصيبة الترهّل والتفكك في مسار الحركة الوطنية ففريق مصاب بداء التفكير طويل الأمد، والبعض هدفه المحافظة على وجوده على الرغم من أنّ قادة هذا الفريق وعناصره لا يملؤون سيارة (بيجو) حسب التعبير الفلسطيني، وفريق ثالث يعاني من حالة الانفصام بين العالم الافتراضي المتعلق بالرغبوية الأممية وبين الحالة الوطنية، وانشغالهم باستعادة ما كان تحت سلطتهم في غزة حيث اضطرّ هذا الفريق لاستبدال المبدأ التفاوضي -خُذ وطالب- إلى اسْتَعِد أولًا للاعتراف بالشروط الدولية بما فيها الاعتراف بإسرائيل ثم فاوض لتحافظ على بقائك في المشهد السياسي، هل يُمكن لهذه الفصائل بهذه السياسات أن تصل بالقضية الفلسطينية بكل أبعادها وتشابكاتها إلى شاطئ الحرية والاستقلال؟ خطة التمرير الاسرائيلية وضعت إدارة المقاومة بين خيار استمرار الحرب والتضحية بغزة وأهلها وبين إنقاذ نفسها والاكتفاء بالمشاهدة دون موقف حاسم ينسجم مع المصلحة العليا للشعب الفلسطيني بضمان صموده وبقائه على أرضه، وبالتالي توفير بيئة ملائمة لسياسات نتنياهو وخسارة غزة والمشروع الفلسطيني.

ضرورة إدراك فريق إدارة المعركة بأن السياسة لا تقف على ضِفتيّ القبول والرفض، لكنها تقف على ضفة المصالح، ولا شك بأن المصلحة الوجودية للشعب الفلسطيني باتت على المحك مما يفرض عليها استقراء التجارب السابقة للمقاومة من معركة جنين 2002، وجدار الفصل العنصري، ومعارك غزة المتتالية وأن نتائج جميع هذه الجولات لم تغير من التوازن الاستراتيجي بينها وبين اسرائيل، ولم تصل لتحقيق أهدافها مما يعني بأنّ هناك خللًا في إدراك طبيعة الصراع مع اسرائيل وخلطًا مريبًا بين الأهداف التكتيكية والاستراتيجية لهذا الصراع.

لا يزغ عن نظر المتابعين بأن خطة نتنياهو بكل ما جاء فيها لا تخلو من خبط عشواء، والآمال الشخصية التلموذية، ولا يجد معظم عناصرها حيزًا من التطبيق على الأرض، لأسباب مختلفة منها ما يتعلق بالفلسطينيين، وأخرى أكثر أهمية ترتبط بالاستراتيجية الأميركية في المنطقة كأحد افرازات تشكل النظام العالمي الجديد متعدد القطبية، لذلك يسعى البيت الأبيض إلى تأمين تحالف شرق أوسطي كبير يرتكز على خطتها السياسية لحل القضية الفلسطينية، حيث يقف خلفها مركز الثقل العربي القوي المتمثل في المملكة السعودية ومصر ومن خلفهما الإمارات العربية وقطر؛ ولا يوجد أدنى شك بألّا تعطي أميركا أي فرصة لنتنياهو بإفسادها، بل سيحتضن البيت الأبيض قيام الدولة الفلسطينية، وسيحرر نتنياهو بوسيلة أو بأخرى من تحمل مسؤولية قيامها.

تنويه ؛؛ نهاية نتنياهو السياسية حتميّة، فحياته السياسية عمرها من عُمر الحرب في غزة، وأن الانقسام الاسرائيلي حول قيادته ومستقبله السياسي حقيقة ثابتة، وعلى أصحاب الرأي الكلامي تفويت الفرصة عليه، وإدراك أن الأوطان جغرافيا وليست أفكار.

2024-02-23