الإثنين 3/2/1442 هـ الموافق 21/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الأسرار تتكشف: هكذا تسبب الإسرائيليون في مذابح لبنان واستفزوا مبارك للتنصل من الانسحاب من سيناء.. فماذا فعل؟

رام الله-الوسط اليوم:أسرار خطيرة كشفتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن خفايا الصراع العربي-الإسرائيلي، منها أن إسرائيل حاولت التنصل من اتفاقها مع مصر بالانسحاب الكامل من سيناء، عبر استفزاز الرئيس الأسبق حسني مبارك.

تقرير للصحيفة للإسرائيلية أوضح لماذا تأخر كشف كثير من أسرار وحقائق فترة حرب لبنان التي وقعت عام 1982، والسبب وجود قادة هذه المرحلة على قيد الحياة، مما شكل حاجزاً أمام المؤرخين وغيرهم من الجهات المعنية بتقصي هذه المرحلة.

كما لفت التقرير إلى كيفية تعلم أرييل شارون من العقوبات التي وُجهت له في حرب 1956 فأصبح بعد ذلك يوثق كل الأشياء التي يتلقاها أو يتعرض لها بطريقة تسمح بتوجيه أي مساءلة لاحقة في الاتجاه الذي يريده.

كيف فشلت خطة استفزاز مبارك؟

عندما قُتِلَ الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات في عام 1982 في الذكرى الثامنة لاندلاع حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول ، أو حرب "يوم الغفران"، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، مناحم بيغن، إلى ضم هضبة الجولان؛ على أمل دفع الرئيس المصري السابق، محمد حسنى مبارك، إلى تجميد معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، ما قد يمنح بيغن ذريعةً لإلغاء عمليات إخلاء مخيم ياميت الذي كان يقع قرب مدينة رفح، بالإضافة إلى مدينة شرم الشيخ، وهو ما كانت إسرائيل ملزمة به بموجب المعاهدة التي أبرمتها مع مصر.

ووفقا لهذا السيناريو، كانت سوريا ستُستخدم كشرارة لردٍّ عنيف مفترض على ضم الجولان من قِبل الجانب المصري.

وفي مواجهة الرد المصري المتوقع (الذي لم يحدث)، كانت القيادة الإسرائيلية الشمالية ستشرع في حملةٍ تشمل غزو لبنان لتحقيق 3 أهداف؛ هي: القضاء على قوات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وإخراج الجيش السوري، والاقتراب من العاصمة بيروت قدر الإمكان لمساعدة الزعيم اللبناني الماروني بشير الجميل، الرجل المحبب لدى إسرائيل، في الوصول للرئاسة اللبنانية.

لماذا غابت الرواية الرسمية عّن هذه الحرب؟

قيل وكُتِبَ وأُذيع الكثير قبل اندلاع حرب لبنان في 6 يونيو/حزيران عام 1982، وبالطبع صدرت المزيد من الروايات بعد هذا التاريخ، لكن لم تكن هناك روايةٌ رسمية عن الحرب.

واستغرق الأمر 35 عاماً لنشر دراسةٍ أعدها قسم التاريخ التابع للجيش الإسرائيلي بعنوان "Sheleg in Lebanon" أو "شيليج في لبنان"، والتي كتبها شيمون غولان (وستُنشر بالتعاون مع قسم التاريخ ووزارة الدفاع ودار نشر "مودان").

كان من الممكن عدم اعتبار ما حدث حرباً فعلية ما لم يبحث شيمون غولان بشأنها أو على الأقل بشأن آلية اتخاذ القرار الذي أفضى إلى الحرب وخلالها. وحرب لبنان هي الدراسة الثالثة لغولان بعد كتابيه عن حرب الأيام الستة وحرب يوم الغفران.

لماذا استغرق الجيش الإسرائيلي 3 عقود ونصف العقد لنشر دراسةٍ كانت كل مصادرها بحوزته منذ البداية؟ الإجابة هي أن قادة إسرائيل في زمن تلك الحرب؛ وهم: مناحم بيغن رئيس الوزراء ، ورافائيل إيتان رئيس الأركان، وأرييل شارون وزير الدفاع، جميعهم قد توفوا.

فقد حظى الضباط ذوو المراتب العليا بمزايا إضافية. منها أنه كانت تُعرَض عليهم التقارير الأولية لمراجعتها.

كان الناس يخشونهم، وخاصةً شارون. وطالما كان بيغن رئيس وزراء الحرب، ورافائيل إيتان رئيس هيئة أركان الحرب، وفوقهم جميعاً وزير الدفاع شارون، طالما ما زال هؤلاء أحياءً ويتنفسون، كان الجيش الإسرائيلي مشلولاً من الخوف.

الشخصية الرئيسية

ورغم أن تقرير لجنة كاهان عن مجزرة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت عام 1982 تسبب في إقصاء شارون عن مسرح الأحداث- فإنَّ هذا الإقصاء لم يكن كاملاً.

فقد عاد بعد ذلك لمقدمة المشهد السياسي الإسرائيلي كزعيمٍ لحزب الليكود، وكرئيسٍ للوزراء، وكمسؤولٍ عن تفكيك حزب الليكود، وكمؤسس لحزب كاديما، وكشخصٍ مسؤول عن إخلاء غزة قبل خسارة منصبه.

وظل شارون يتخطى الجميع دوماً حتى عندما كان شخصيةً كبيرة الكرش ترتدي الملابس المدنية، بعد أن بدأ كضابط مخابرات بالقيادة الشمالية في الخمسينيات، ليصبح رئيس أركانها في الستينيات.

وبشكلٍ عام، كان تأثير لجنة كاهان على مستقبل الشخصيات الخاضعة لتحقيقاتها محدوداً، على النقيض من الفوضى التي أعقبت لجنة أغرانات، والتي كانت تحقق في حرب 1973، فنتيجة للجنة الأخيرة عُزِلَ العديد من الأشخاص بموجب توصياتها، من بينهم رئيس هيئة الأركان ديفيد إلعازار، ورئيس الاستخبارات الحربية إيلي زيرا، ورئيس القيادة الجنوبية للجيش شموئيل غونين، ولم تظهر هذه الشخصيات مجدداً أمام عامة الشعب الإسرائيلي .

أما بالنسبة لتداعيات التحقيق في لجنة كاهان بشأن حرب لبنان، فلم تكن كبيرة ولم تمنع رئيس الأركان رفائيل من تأسيس حزب جديد، كما أصبح عضواً في الحكومة.

في المقابل، استقال رئيس الحكومة بيغن وعزل نفسه عن الحياة السياسية، رغم أنَّ اللجنة أشفقت عليه ولم توقع بحقه أي عقوباتٍ.

ميول وحشية تحتّم وقوع مذبحة

لكنَّ تحقيقات غولان لم تضف جديداً فيما يتعلق بمذبحة صبرا وشاتيلا، على الرغم من أنَّها تسلط الضوء على القوات الوحشية، التي اعترف بوجودها المعتدلون أخلاقياً في السابق.

ففي أقدم الوثائق لهذه العملية، كانت هناك تحذيراتٌ بشأن انتشار بعض الميول الوحشية بين مختلف الفصائل اللبنانية.

وهذه الوثائق أشارت بصورةٍ أساسية إلى قائد الميليشيا اللبنانية الجنوبية التي شكلتها إسرائيل سعد حداد. وكان من المفهوم أنَّه هو ورجاله ينبغي منعهم من تنفيذ نواياهم.

كما أُشير إلى قسوة المسيحيين في الجزء الشمالي من البلاد، اتساقاً مع العادات اللبنانية الراسخة، وهي سمة كانت تُنسَب عادةً إلى الكتائب التي يرأسها بشير الجميل.

وكانت مسألة التعاون مع هذه الكتائب غير مستقرة حتى غزو بيروت. وبحلول ذلك الوقت، كان من الواضح أنَّ دخولهم إلى مخيمات اللاجئين، التي يحاصرها جيش الدفاع الإسرائيلي "بحثاً عن إرهابيين يتظاهرون بأنَّهم مدنيون"، بمثابة دعوة إلى مذبحة.

كابوس

تماماً مثل مجزرة صابرا وشاتيلا نفسها، كان تقرير لجنة كاهان كابوساً حقيقياً لشارون.

وكتدبيرٍ وقائي ضد التحقيقات والإقالة على وجه التحديد، وضع شارون "علاماتٍ" لتعمل بمثابة أدلة لأي محقق ينظر فيما حدث؛ وذلك لتوفير الأعذار القانونية.

وكانت هذه الأدلة تتألف من البيانات الاستراتيجية، والتحفظات، والأقواس وعلامات الترقيم، وكلها تهدف إلى أن تكون دليلاً للبراءة في المستقبل إذا لزم الأمر. كانت هذه المحاولات فوضوية، بما في ذلك خليطٌ من التصريحات المتضاربة والمتناقضة، حسب تقرير الصحيفة الإسرائيلية.

خطة شارون الكبرى

والنتيجة الرئيسية التي توصل إليها بحث شيمون غولان، الذي سيُنشر بالتعاون مع قسم التاريخ ووزارة الدفاع الإسرائيلية ودار نشر "مودان"، هي أنَّ شارون سعى باستمرار لتحقيق خطته الكبيرة، في حين كان يحاول الحصول على رخصة تسلسلية وتراكمية لتوسيع العمليات الصغرى التي حصل على موافقةٍ عليها.

لقد بذل جهداً كبير في الحصول على توقيع بيغن للموافقة على خططه. في حين كان بيغن يتعامل في مسائل تافهة، مثل تغيير اسم العملية السابقة "أورانيم" إلى "السلام من أجل الجليل". وقد فُسِّرَ هذا الأمر هذا كإشارة لموقف المسيحيين في جميع أنحاء العالم من مدينة الجليل المرتبطة بيسوع.

كيف تعلَّم الدرس؟

تعلَّم شارون الدرس المستفاد من عملية سيناء (قادش) عام 1956، عندما قارن ضابط التحقيق حاييم لاسكوف رواية شارون للأحداث برواية السياسي رحبعام زئيفي.

وادَّعى شارون أنَّ زئيفى، باعتباره كان ممثلاً للأركان العامة والقيادة الجنوبية للجيش، قد أذن له بالانحراف إلى ممر ميتلا في سيناء، وهو سوء فهمٍ بسيط أدى إلى مقتل 38 شخصاً.

وصدّق لاسكوف، زئيفى، وبعد أن أصبح رئيساً للأركان، جمّد ترقية شارون لسنوات. ولم يتغير هذا الأمر إلا عندما أصبح رابين رئيساً للأركان.

وتعهَّد شارون بعدم تكرار خطئه. وأصبح مؤيداً للتوثيق، وقامعاً للعفوية، ومدوّناً دقيقاً للملاحظات، وأحياناً يحفظ نسخاتٍ كربونية، ويحفظها جميعاً في مفكرة؛ كان ينتمي إلى جيل الورق.

في النهاية، كل ما بذله من جهود لتوثيق كل ما قاله وكتبه في المحاضر الرسمية، كمصلٍ مضاد ضد الأعداء المتربصين به، لم يكن له جدوى فيما يتعلق بالاضطراب اللبناني.

وفي حرب يوم الغفران (حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973)، رغم أن شارون كان قائد فرقة فإنه نظراً إلى قربه من قائمة حزب الليكود بالكنيست، أطلع مناحم بيغن الذي كان بالمعارضة آنذاك على الأحداث؛ من أجل الضغط على وزير الدفاع، موشيه دايان، للموافقة على خططه، على الرغم من أنَّ هذه الخطط لاقت معارضةً من قِبل قادة شارون المباشرين.

وفي لبنان، ذاق شارون من الكأس نفسها؛ إذ تجاوزه ضباطٌ آخرون، تواصلوا مع وزراء الحكومة الآخرين، ولا سيما مردخاي زيبوري؛ لجعل الحكومة على علمٍ بالفجوة بين ما يُقَال وما يحدث على أرض الواقع.

كيف تورطت إسرائيل؟

 

كان مجلس الوزراء الإسرائيلي قد وافق على عمليةٍ لمدة 12 ساعة، أو 24 ساعة على الأكثر، أو ربما 72 ساعة.

العملية هنا كانت محدودة المدة مع عدم الدخول في مناوشاتٍ مع الجيش السوري ("ما لم يقم الجيش السوري بذلك") ومن دون الوصول إلى بيروت ("رغم أنَّهم وصلوا إليها").

وقال الجيش الإسرائيلي إنَّ الرواية حول وجود أسلحة لدى منظمة التحرير الفلسطينية يصل مداها إلى 40 كيلومتراً استندت، إلى قطعةٍ واحدة من المدفعية، قطعة قال الجيش الإسرائيلي إنه يمكن تحريكها؛ ولذا كان من الصعب الوصول إليها. ألم يكن الجيش الأقوى والأكثر تطوراً في المنطقة يستطيع تحديد موقع مدفع واحد وتدميره؟!

2017-09-21