السبت 1/2/1442 هـ الموافق 19/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
رواية 'الحقيقة ' للكاتب اللبناني محمد إقبال حرب ......بقلم : فوزي الديماسي

 " صراع ديكة " ، أو ( عرك سرادك ) . مثل نتداوله في محكيّنا الشعبي اليومي ، وجرى بيننا مجرى الأمثال ، فإذا ما اختلف شخصان ، أو حزبان ، أو حكومتان ، وصفنا حربهم تلك ، وتناحرهم ذاك بصراع الديكة ، وكذا هي رواية " الحقيقة " للكاتب اللّبناني محمد إقبال حرب ، هي حديث عن صراع ديكة وحرب مصالح وتقاتل على سدّة الحكم ومسائل أخرى .

نصّ " أمثولة " نصّ الرواية ، وقد كتب على طريقة " كليلة ودمنة " ، فجاء الحديث على ألسنة الديكة والطيرالمهاجر، مثل حوار " صيّاح كبير الديكة ، وملك المزرعة " و" نغم " عصفورة تائهة في الرحب تخلّفت عن السرب لجرح أصابها .

وينسج السرد بينهما قصة حبّ على اختلاف مذهبيهما في الحياة ، فكل يمتح من رؤية مختلفة عن رؤية الآخر للعالم وطرق الإقامة في الكون ، وكل يحمل بين جنبيه ثقافة مغايرة لبقية مواقف الخلق في طرق تصريف نسيج القيم ومجالاته مثل مفاهيم التعايش والغيريّة والتوّع . وبعد حبّ جمع بينهما فرّقتهما الأقدارالسردية بأيدي بني جلدته من الديكة .

هي ثقافة الدم تطال كل شيء ، وشريعة التناحرتحلّ في كلّ شيء ، وغايتهم القصوى البقاء في سدّة الحكم ، والسيطرة على العالم وما فيه ، ومن فيه ، معتقدات تقدح في نفوس الديكة ثقافة الحرب والعداوة ونفي الآخر ، مستندة في ذلك لقراءات مقدسة عشّشت في العقل الجمعي لهذا الفريق وذاك من الدجاج الأبيض الوافد والآخر الملوّن الأصيل ، قراءات مقدّسة ضاربة في القدم ، تداولها الدّيكة جيلا بعد جيل .

إنّها ثقافة نفي الآخر التي أتت على الأخضر واليابس ، وحطّمت كل المشاعرالكونية باسم المقدّس ، وعبثت بها ، أو هكذا علّمهم معلّمهم على لسان مرجعيته ومرجعيتهم " نقّار " كبير الديكة وسيدهم في العالمين . ثقافة تقوم على الصراع من أجل البقاء والسيطرة والتشبّث ببريق السلطة والسلطان والحياة والغنيمة والمنافع .

اتخد نصّ الرواية من تقنية الحوار طريقا ملكية للكشف عن السرائر، سرائر سكّان المزرعة من الدّيكة بنوعيهما الأبيض الدخيل والملوّن الأصيل ، والولوج إلى عوالمهم ، والوقوف على فلسفتهم في الحكم وتصريف شؤون العامة في ظلّ الدسائس ، والوشاية ، والصراعات من أجل العرش ، والتناحر باسم المقدس وتوسّلا به لبلوغ المآرب ، ولم يكن للراوي حضور في النصّ يذكر على امتداده إلا قليلا مكتفيا بدور ( الرؤية مع ) عاملا على فضح الطوايا والسجايا والوقوف في أرض المتن عاريا إلا من صدق نقل الأحداث والأحوال .

 

إنّه الصراع على أشدّه بين معلم منفلت متحصّن بقديم النصوص ومقدّسها ، و ملك في المزرعة مضطرب المواقف والرؤى يسعى لترسيخ القيم الكونية وثقافة الحلم والإرادة ، وإرادات أخرى مختلفة في بني جنسه من دجاج أبيض تربى في مزارع الإنسان وآلاته . صراعات بين بني الجلدة تبدو واضحة المعالم في أغلب منعطفات السرد ، وخاصة في تلك الحوارات الثنائية والجماعية والخطب ، والتي خرج فيها النصّ خال من الضبابية والإبهام المبالغ فيه ، وبطريقة تقريريّة محبّبة لا ابتذال فيها يسوق الأحداث والعبر والرسائل المشفرة ، ورمزية طاغية على الحكي لا تقية فيها ( صراع الأصيل / والدخيل ) ، وحديث عن الإرادة ومقوماتها ، وعن طرق تجسيمها في الحياة لتكون الحياة أرحب وأجمل وأسعد بعيدا عن حديث تثبيط العزائم وبثّ فلسفة القناعة بالدون والاستسلام للقدر . وفي البحث عن الإجابة لسؤالهم الجماعي المركزيّ ( كيف السبيل للطيران والتحليق ) ينفتح النص وحواراته على أحداث وحالات وأحوال وأقوال ترصد حياة الدجاج في مزارعهم وحياتهم مع الآخر المختلف ( نغم / العصفورة الجريحة ) .

رواية / أمثولة لسان حالها يقول ما قاله توفيق الحكيم " ليس المهمّ أن نفلح ، ولكن المهم أن نكدح " . وهي أمثولة لسان حالها يقول أيضا كما قال فلاسفة اليونان : " ليس الكفر أن تكفر بالله ـ ولكن الكفر أن تؤمن باله الجمهور " . وبين الكدح ( تعلّم سهم كبير الديكة للطيران ) ودحض مقولات المقدّس المحافظ على حال الناس ومحنّطه ومشرّع قعودها وخمولها سعى النص سعي من يريد أن يبثّ في الناس قيم التحابب والسعي للتاصيل والتجاوز، والإيمان بالإرادة فعلا في الحياة ومنهجا قويما في آن .

2020-05-13