الأربعاء 6/6/1442 هـ الموافق 20/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
هكذا قرأت...قراءة في رواية 'دندن ' لــ'محمود مرعي' .....بقلم خالدية أبو جبل

هكذا قرأت

قراءة في رواية " دندن"

تأليف: محمود مرعي

رسوم فارس قرة بيت

رواية تخاطب الأجيال ما بين 9-12 سنة

تقع في 114 صفحة

.......

دندن: عنوان يحمل اسم بطل الرِّواية " الدُّبُّ "

الَّذي اختاره الكاتب وفق فكرة مسبقة لدرايته مدى حبِّ الأطفال لهذا الحيوان اللَّطيف.

وهو عنوان واضح ساهم في إبراز هُويَّة النَّصِّ وانتمائه

مُغريًا الـمتلقِّي، من حيث دلالته وإشارته لمكان وقوع أحداث الرِّواية، الغابة، وليس أحبُّ لنفس الطِّفل من الغابة، وهي المكان المفتوح بسعته ورحب أفقه، والمغلق في ذات الوقت لما تُخفي من مجهول ومفاجآت، تدغدغ حبَّ الاستطلاع وروح المغامرة.

وقد تماهت لوحة الغلاف مع العنوان لتشكِّل مقدِّمة جميلة للرِّواية، أظنُّ كان بإمكان الكاتب الاستغناء عن مقدِّمته ص 4.

فاختيار رسم الدُّبِّ والنَّعجة في هذه الوضعيَّة المثيرة للمشاعر والتَّساؤل إشارة لرواية فيها من الغرابة ومن الأحداث ما يشّد المتلقِّي ويجذبه.

أما الاسم دندن بحدِّ ذاته بخفَّة تكرار أحرفة، والتي تُصدر إيقاعًا موسيقيًّا عذبًا، يُشير لطيبة صاحب الاسم ودماثة خُلقِه.

تجري أحداث هذه الرِّواية في غابة تفصلها طريق عن سهول القرى، وتتركَّز الأحداث على التَّلَّة الَّتي تتوسَّط الغابة حيث يعيش الدُّبُّ.

....

رواية تربويَّة من الدَّرجة الأولى، حملت أسسًا تربويَّة هامَّة ،جاءت على لسان حيوانات الغابة على اختلافها، بطلها الدُّبُّ دندن.

.....

بجملةِ نفيٍ تجسيريَّة جميلة مشوِّقة تربط ما بين العنوان والنَّصِّ، يبدأ الكاتب روايته، جملة تثير شهيَّة المتلقِّي على الاستهلال بالقراءة بشغف.

(لم يكن دندن يعلم ما يحمله المستقبل وما سيقع له فيه من أحداث) ص 5.

من خلال حلم جميل يسرده الدُّبُّ دندن للعصفورة، يُعرِّفنا الكاتب على سمات الدِّبِّ وصفاته والخلفيَّة الَّتي جاء منها والوحدة الَّتي يعاني منها، لتنطلق منها أحداث الرِّواية منسابة مترابطة بشكل متين جذَّاب.

ولا بدَّ من التَّنويه لأهميَّة اختيار الحلم كنقطة انطلاق للرِّواية، خاصَّة وأنَّ الحلم تدخَّل مرَّة أخرى في حياة الدُّبِّ ليقرِّر مصير زواجه (حلم الدُّبِّ دندن بالدُّبَّة دانا وقصَّة تعارفهما وزواجهما ص 56)

ولا شكَّ أنَّ في اختيار الحلم ذكاء من الكاتب لما تعنيه الأحلام وتحقيقها ونهاياتها السَّعيدة بالنِّسبة

لهذه الفئة العمريَّة.

....

رواية دندن غنيَّة بالقصص والمشاهد، تترابط ببعضها ترابطًا منطقيًّا لتصبَّ جميعها في إتمام الرِّسالة التَّربويَّة الَّتي عالجت عدَّة قضايا هامَّة.

أوَّلها قضيَّة الهُويَّة الفرديَّة والاِعتداد بالنَّفس.

(إصرار الدُّبِّ على أن يكون له اسم يُعرف به، مقابل رفض أبويه ص 5)

ثانيها، الحكم على الآخر والتَّعامل معه من خلال فكرة مسبقة، (وهو ما عانى منه الدُّبُّ وسبَّب ابتعاد الحيوانات الأخرى عنه)

وطالما شكَّلت الفكرة المسبقة عائقًا تربويًّا وتعليميًّا للكثير من أبنائنا، ولا شكَّ أنَّها تؤثِّر على علاقاتنا ببعضنا كبالغين أيضًا.

ثالثها: تقبُّل الآخر كما هو، وعدم الحكم على المظهر قبل معرفة الجوهر.( فكون الدُّبِّ ضخمًا لا ينفي أنَّه مسالمٌ ومحبٌّ للغير، وقد لعبت النَّعجة في روايتنا دور سفيرة السَّلام أو وكالة الأنباء الَّتي أعلنت للجميع براءة الدُّبِّ ممَّا ينعتونه من صفات، بعد ما خبرَتْهُ بنفسها، وأنَّه لم يُقدم على إيذائها في ساعة ضعفها، بل كان عونًا ومساعدًا لها ولمولودها).

رابعها: عالجت الرِّواية قضيَّة الحرِّيَّة والاستقلال وأهمِّيَّتها في حياة الفرد والمجموعة. (فها هي الخيول والنَّعجة والبغال والحمير، تفرُّ هاربةً من ظلم الإنسان واستعباده، طلبًا للشَّمس والعشب والماء).

خامسها: أهمِّيَّة وجود الأصدقاء في الحياة، وأهمِّيَّة العيش في بيئة اجتماعيَّة مُحبَّة آمنه داعمة. (ولا يخفى على الجميع تخبُّط هذه الفئة العمريَّة من الشَّباب الصِّغار، في تكوين صداقات ومجموعات، قد تعود بالسُّوء للفرد وللمجموعة إن لم يتمَّ اختيارها بحذر وتروٍّ). كلُّ هذا ظهر جليًّا من خلال سعي دندن في البحث عن أصدقاء، وفرحته الكبرى في تحقيق مأربه:

إنَّني يا أصدقائي.. زال همِّي وعنائي

وبكم زاد هنائي.. واسمعوا كيف أدندن. (ص30)

وكلَّما اتَّسعت دائرة الأصدقاء زادت سعادته، وبالمقابل ازدادت المواقف الَّتي تحتاج لتعاون ومساندة لتخطِّيها، وأنَّ الحلول الفرديَّة المتسرِّعة لا تعود بخير على المجموعة. ودائما ما يأتي النِّقاش وتعدُّد الآراء بنتيجة أفضل من الرَّأي الواحد.

سادسها: عالجت الرِّواية بجماليَّة لافتة قضيَّة الغرور وسرقة البطولات ونسبتها للذَّات وإنكار الأصل. ( قصَّة القرد وما فعله في نسبة اختراع سلاح الصَّيد ص27)، (وحديث الأرنب المغرور عن بطولاته وعرض عضلاته في قصَّة أنابيب المياه، ونزاعه مع الدُّبِّ ص 73)؛ وبالمقابل أثنت الرِّواية على الصِّدق والتَّواضع في سرد البطولات (قصَّة البطَّة ص28).

سابعها: القضيَّة الَّتي أشغلت بال المجتمع الإنساني على مدى العصور، ولا زال النِّقاش فيها محتدمًا، ألا وهي قضيَّة المساواة بين المرأة والرَّجل، والحكم على لسان الحصان " أنَّ الذُّكور والإناث شركاء في الحياة، ولا فضل لذكر على أنثى، ولا لأنثى على ذكر. ص 35)، ولم تترك حقَّ اختيار شريك الحياة، واحترام رغبة وميول الفرد (قصَّة النَّعامة ص 101).

ثامنها: ما تحتاجه كلُّ المخلوقات في كلِّ الظُّروف، ألا وهو التَّعاون والتَّكافل والتَّعاضد في الضِّيق والفرج (قصَّة تعاون الحيوانات معًا لأجل بناء بيت للدُّبِّ وتعاونهم لأجل إقامة حفل العرس)،

(- تذكَّرت فزعات زمان في القرية للمساعدة في صبَّات الباطون، في وقت لم يكن خلَّاط الباطون الكبير قد زار قرانا...!!!).

تاسعها: ما نسعى لغرسه في أجيالنا الشَّابَّة، خاصَّة في هذا الزَّمن المأزوم، ألا وهي قيمة الانتماء.

( فمع كلِّ المغريات والتَّسهيلات الَّتي قدَّمتها الحيوانات للدُّبِّ للتَّخلِّي عن التَّلَّة والانضمام للعيش معهم، رفض الدُّبُّ طلبهم وتمسَّك بأرضه، تلَّته ونهره).. وفي تفضيل الدُّبَّة دانا افتراش العشب والتحاف السَّماء على المبيت في البيت، إشارة لعدم التَّخلِّي عن مبادئنا ومعتقداتنا السَّليمة.

أمَّا عاشرها وليس آخرها: العنف لا يأتي إلَّا بالعنف، وهو غير مقبول لحلِّ أيِّ نزاع، واللُّجوء للقوَّة لا يكون إلَّا في حالة الدِّفاع عن النَّفس والبيت والضَّعيف. (ما حدث بين النَّسر والنِّيص، ص 103). (وقصَّة ابتلاع الحنش للأفعى حماية للدِّببة الصِّغار، ص87).

القيمة الحادية عشرة: الإخلاص والصِّدق والوفاء، والابتعاد عن النَّميمة والغيبة (قصَّة الفيل مع القرد، ص99).

والقيمة الثَّانية عشرة: جمال الاستقرار في ظلِّ الحياة الأسريَّة المتفاهمة، وهو مطلب أساسيٌّ لإنشاء جيل متصالح مع نفسه. ( حياة الدُّبِّ دندن وزوجه دانا وأبنائهم الدِّببة الثَّلاثة):

دندن ودانا.... دندن ودانا

صدق أمانة....حبٌّ تفنُّنْ

دبٌّ ودبَّهْ.....طيبٌ محبَّهْ

غنُّوا لدانا....غنُّوا لدندنْ

فالعشق دانا.....والحبُّ دندنْ

أغنية لخَّصت معنى الرِّضى والقناعة والصِّدق.

....................

كلُّ هذه القيم الرَّاقية جاءت ضمن خطاب إبداعيٍّ، تفاعلت بداخله إيقاعات متقاطعة، لتترك لنا رسالة تربويَّة حمَّلها الكاتب أفكاره الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة بسرديَّة مُفعمة بالحيويَّة والطُّموح والإحساس بالذَّات تناسب جيل الطُّفولة، ممَّا أكْسَبَ الرِّواية شُحنة عاطفيَّة قويَّة، زادها حضور الوصف الجميل للأحداث تأثيرًا وقوَّة للانطباعات والتَّأمُّلات.

وقد يجوز لي اعتبار هذه الرِّواية نافذة للطِّفل على عالم الحيوان، حيث قام الكاتب بمهارة لافتة بذكر الكثير منها والتَّعريف بها، (الاسم، الصِّفات، البيئة، الفصيلة...الخ).

أمَّا عن جماليَّة اللُّغة فتظلُّ شهادتي مجروحة بقلم يتقن قواعدها ويتفنَّن في صياغة تعابيرها، السَّهلة الماتعة، ولا أبالغ إن قلت إنَّها ثروة لغويَّة كبيرة يحظى بها هذا الجيل (المتلقِّي)  والأكبر على السَّواء.

وأخيرًا، هي رواية تطلق صرخة مفادها: " يا أهل الأرض تعلَّموا فنَّ الحياة".

رواية تستحقُّ التَّرجمة للّغات الأخرى.

......    ......

مبارك للأستاذ محمود مرعي إصداره الجميل هٰذا، كما أبارك له الإصدارين الآخرين:

دورة كاملة في المقام.

رَفعُ شُفوف الهودج عن مقصورة الخزرجي

........

تحيَّاتي وألف شكر على الإهداء.

خالديَّة أبو جبل

طرعان- الجليل الفلسطيني

18/1/2021

2021-01-20