الخميس 28/9/1441 هـ الموافق 21/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قيم النزاهة والشفافية في خضم تبادلية العلاقة ما بين المنظمات الأهلية الفلسطينية و الدول المانحة ...فادي ابو بكر

أي احتلال أو استعمار في العالم يسعى إلى نشر الفساد في أوساط المجتمع المُستعمَر، وذلك من أجل بسط سيطرته على كافة جوانب حياته ، والاحتلال الاسرائيلي هو مصدر رئيس للفساد الموجود في المجتمع الفلسطيني ، لكن ليس الاحتلال وحده ما ميز ووجود الفساد في المجتمع ، حيث  إن غياب وجود مجلس تشريعي فلسطيني فاعل إثر الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني الذي حصل عام 2006 ، وأدى إلى نشوء حكومتين واحدة في الضفة وأخرى في غزة ، كان له نتائج سلبية أبرزها غياب الشفافية ، خصوصاً فيما يتعلق بالأعمال العامة للسلطة الفلسطينية . فقد طغت السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية ، وهذا جعل من النظام الفلسطيني الناشىء نظاماً ذي بنية ضعيفة نتج عنه ضعف في الرقابة وغياب للشفافية والمساءلة في العمل .

أما مؤسسات المجتمع المدني، والتي يفترض بها أن تكون صلة الوصل بين السلطة والشعب يقع على عاتقها مسؤولية كبيرة في نشر مفاهيم النزاهة والشفافية بين أوساط المجتمع ، ومن مهامها الرئيسية محاربة كافة أشكال الفساد الموجودة .

من هنا تبرز عدة تساؤلات أبرزها: كيف أثر طغيان السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية على عمل المنظمات الأهلية ؟ وهل هناك رقابة ومسائلة حقيقة للمنظمات الأهلية ؟

إضافة إلى ذلك فما هي السياسة التي تحكم العلاقة ما بين المنظمات الأهلية والممولين الأجانب ؟ وما أثر هذه السياسة على طبيعة عمل وبناء هذه المنظمات ؟.

السلطة الفلسطينية والمنظمات الأهلية

من اختصاص وزارة الداخلية الفلسطينية الرقابة على الجمعيات والمنظمات الأهلية حيث يفترض بها أن تعمل على تسجيل الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية وفروع الجمعيات الأجنبية ومتابعة التقارير الإدارية والسنوية.

تضمن قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية رقم (1) لسنة ٢٠٠٠م عدة تعريفات أبرزها النشاط الأهلي حيث عرفته بأنه : "  أية خدمة أو نشاط اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي أو أهلي أو تنموي أو غيره يقدم تطوعاً أو اختيارياً ومن شأنه تحسين مستوى المواطنين في المجتمع اجتماعياً أو صحياً أو مهنياً أو مادياً أو روحياً أو فنياً أو رياضياً أو ثقافياً أو تربوياً".[1] وهذا يرفض أي أجندة سياسية تود أن تفرض نفسها على طبيعة النشاط الأهلي .

من جانب آخر فقد اشتمل القانون اجراءات تسجيل الجمعيات والهيئات ، حقوقها ، واجباتها ، إضافة إلى الشؤون المالية المتعلقة بها . أما فيما يتعلق بالجمعيات الخيرية والهيئات الأجنبية ، فإنه وفقاً لأحكام القانون الفلسطيني "لأية جمعية أو هيئة أجنبية أن تتقدم بطلب للوزارة لفتح فرع أو اكثر لها في الأراضي الفلسطينية للقيام بأية خدمات اجتماعية شريطة أن تنسجم هذه الخدمات مع مصالح الشعب الفلسطيني وتطلعاته على ان يتضمن طلب التسجيل ، اسم الجمعية أو الهيئة الأجنبية ومركزها الرئيسي وعنوان وأسماء مؤسسيها وأعضاء مجلس إدارتها وأغراضها الأساسية وأسماء المسؤولين عن الفرع المنوي إنشاؤه وجنسياتهم وكيفية التصرف بالأموال الخاصة بالفرع عند حله أو تصفية أعماله أو انسحابها بما لا يتجاوز الشهرين من تاريخ قبول الطلب، كما تقوم الوزارة بالاستئناس برأي وزارة التخطيط والتعاون الدولي فيما يتعلق بطلب تسجيل الجمعية أو الهيئة الأجنبية".[2]

اشترط القانون على الهيئات الأجنبية أن تنسجم الخدمات التي تقدمها مع مصالح الشعب الفلسطيني . إضافة إلى أن وزارة التخطيط والتعاون الدولي يحق لها أن توافق أو لا توافق على تسجيل هذه الهيئات ، وفي هذا استدلال على أن المصلحة الوطنية الفلسطينية هي أولوية لدى السلطة الفلسطينية ، فهل هناك اختلاف ما بين المكتوب والمعمول به على أرض الواقع ؟

يعترف كبار الموظفين في وزارات الحكومة الفلسطينية بوجود خلل كبير في الرقابة على تلك المنظمات الأمر الذي أدى اتساع دائرة الفساد ، فرئيس هيئة مكافحة الفساد رفيق النتشة قال "إن هناك عددا من الجمعيات غير مسجلة لدى وزارة الداخلية، رغم أن قانون الجمعيات الخيرية يشترط على الجمعيات قبل مباشرة عملها أن تقوم بالتسجيل واخذ الموافقة على البدء بأعمالها". ومن جانب آخر فإن وكيل وزارة الداخلية حسن علوي في مقابلة أجرته معه وكالة وفا كان قد أكد أن أكثر من 75% من الجمعيات لا تزود وزارة الاختصاص بالتقارير المطلوبة، الخلل يكمن في وزارات الاختصاص التي لا تتابع، ما أعطى الجمعيات مزيداً من الترهل وزيادة عددها، أدى إلى عدم الرقابة المطلوبة "المال السايب بعلم الحرامي السرقة".[3]

من جانب آخر ، فإن النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني حسن خريشة أكد أن عدد كبير من أعضاء المجلس التشريعي يعملون في المؤسسات الأهلية[4]. هذا يعتبر مخالف للقانون وفساد اداري في كل المقاييس لأن المادة (14) من النظام الداخلي للمجلس التشريعي الفلسطيني تنص على أنه "لا يجوز الجمع بين منصب الوزير أو أي منصب حكومي آخر وعضوية هيئة المكتب"[5].

الدكتور سمير أبوزنيد رئيس ديوان الرقابة المالية والادارية أكد أيضاً أن تسعة موظفين فقط من يراقبون ويتابعون ويشرفون على ما يقارب 5500 مؤسسة أهلية، وهو عدد لا يرتقي إلى المستوى المطلوب في ظل غياب رقابة الوزارات المختصة، خاصة أن ديوان الرقابة يعتبر أعلى سلطة رقابية في الدولة.[6]

كل هذه هي مؤشرات تؤكد على أن الانقسام الفلسطيني يعتبر عامل أساسي في اتساع دائرة الفساد ، لأن الانقسام أدى إلى تغييب المجلس التشريعي الفلسطيني ، الأمر الذي ألقى بظلاله على أداء السلطات التنفيذية ، وبالتالي أصبحت الجمعيات الأهلية تسرح وتمرح بلا حساب ولا عقاب .

 

المنظمات الأهلية والتمويل الأجنبي

تحتل مسألة التمويل الأجنبي للمنظمات الأهلية الفلسطينية مساحة كبيرة من الخلاف والجدل، فالأكثرية الساحقة من المنظمات غير الحكومية تعتمد على مصادر خارجية للتمويل مما يفرض عليها أجندات قد لا تتلاءم مع احتياجات وأولويات المجتمع المحلي.

إن طبيعة العلاقة بين المنظمات الأهلية والدول المانحة أفرزت مشاكل عدة أبرزها :

البحث عن الدعم وتحديد المشاريع دون استشارة الجهة المستهدفة ودون الأخذ بعين الاعتبار الحاجات الحقيقية للمجتمع الفلسطيني، كما أن هيمنة الدول المانحة على أجندة الدعم والمعلومات المتعلقة تضران بالعملية التنموية والأهداف المرجوة من ورائها .
التبعية المالية التي خلقها الاعتماد الكامل على عمليات التمويل الخارجي، ولذلك فإن المنظمات الأهلية أضحت غريبة عن المجتمع الذي تمثله أو تسعى إلى خدمته فيما نسجت علاقة حسنة ومتينة مع عواصم التمويل .
تسييس برامج الدول المانحة ، بحيث تربط الدول المانحة بشكل مستمر بين الموقف السياسي للمنظمة المدعومة وبين التمويل الذي تقدمه لها، فمثلاً هناك ربط واضح وصريح بين التمويل والتأييد لعملية التسوية السلمية ونبذ العنف والارهاب وغيرها .[7]

مما سبق فإن هذا يؤكد على أن هناك علاقة تبادلية ما بين الانقسام الفلسطيني ،غياب الرقابة السلطوية غياب الشفافية والنزاهة في عمل المنظمات الأهلية و التمويل الأجنبي . وبالتالي فإن هذا التمويل الأجنبي قد يودي إلى فساد سياسي يتبعه فساد مالي وإداري ، في حال استمرار غياب الرقابة والمساءلة و لم يتم الاعتبار والتفكير بشكل جيد قبل الوقوع في مصيدة التمويل الأجنبي .

 

على ضوء ما سبق فإن هذه الدراسة توصي بما يلي :

الضغط من أجل اتمام المصالحة الوطنية وانهاء ملف الانقسام ، بحيث يكون "الشعب يريد انهاء الانقسام" ليس شعاراً فحسب ، بل يتم تطبيقه على أرض الواقع ، وهذه المهمة قد يشرف عليها مختلف الأكاديميين والمثقفين في المجتمع .
اعادة تفعيل دور المجلس التشريعي ، بعد اتمام مصالحة وطنية يتبعها انتخابات ديمقراطية نزيهة يتقبل نتائجها كل من يقول عن نفسه فلسطيني .
اعادة النظر في طريقة عمل وبناء الأجهزة الرقابية في السلطة الفلسطينية ، و زيادة عدد الكادر ذي الخبرة والكفاءة من أجل ترسيخ نظام رقابة فعال وقوي.
توعية الجمهور والمجتمع المدني نحو تطوير سياسة وطنية في التعامل مع التمويل الأجنبي ، تحسباً من الوقوع في مصيدة الأجندات الخارجية .

 

المراجع:

قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية رقم (١) لسنة ٢٠٠٠م المنشور بتاريخ ٢٠٠٠/٢/٢٩م.
تحقيق صحفي أجرته وكالة وفا للأنباء بتاريخ 28/8/2013 (ال Ngo’s: غياب الرقابة وسع دائرة الفساد) http://www.wafa.ps/arabic/index.php?action=detail&id=159117
المجلس التشريعي الفلسطيني - النظام الداخلي تحريرا بتاريخ 7/6/2000.
أبوسيف، عاطف. المجتمع المدني والدولة – قراءة تأصيلية مع احالة للواقع الفلسطيني. عمان:دار الشروق، 2005.

 

اعداد : فادي قدري أبوبكر

[email protected]

 

 

[1] قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية رقم (١) لسنة ٢٠٠٠م المنشور بتاريخ ٢٠٠٠/٢/٢٩م ( مادة رقم 2 )

[2] قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية رقم (١) لسنة ٢٠٠٠م المنشور بتاريخ ٢٠٠٠/٢/٢٩م ( مادة رقم 34).

[3] تحقيق صحفي أجرته وكالة وفا للأنباء بتاريخ 28/8/2013 (ال Ngo’s: غياب الرقابة وسع دائرة الفساد) http://www.wafa.ps/arabic/index.php?action=detail&id=159117

[4] نفس المرجع السابق (3)

[5] المجلس التشريعي الفلسطيني - النظام الداخلي تحريرا بتاريخ 7/6/2000 ( المادة رقم 14).

[6] نفس المرجع السابق (3).

[7] عاطف أبوسيف، المجتمع المدني والدولة – قراءة تأصيلية مع احالة للواقع الفلسطيني (عمان: دار الشروق، 2005)، 33-35.

2016-01-05