الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
في الذكرى ال ٧١ للنكبة... لماذا يمكن القول ان اسرائيل تعاني من ازمة وجودية؟!....محمد النوباني

من ينظر إلى اسرائيل من السطح يرى لأول وهلة بانها دولة قوية مزدهرة،جيشها خامس او سادس اقوى جيش في العالم، مزدهرة اقتصاديا ، حجم اقتصادها كبير ومستوى اعتمادها على المساعدات الخارجية وتحديدا الامريكية اصبح اقل من ذي قبل،،الدخل القومي فيها مرتفع ومستوى المعيشه كذلك،وقطار التطبيع الرسمي العربي منطلق نحوها بلا توقف، وتحظى برعاية وحماية حاضنة دولية قوية هي الولايات المتحدة الامريكية، وبتأييد ودعم من قبل الدولتين المسؤولتين تاريخيا عن الجزء الاكبر من المصائب التي حلت بألعرب واقصد فرنسا وبريطانيا، ويوفر لها بعض الفلسطينيين الذين ورطوا انفسهم وورطونا في اتفاق اوسلو احتلالا بلا تكلفة بشرية تقريبا مما جعلها تنعم بمستوى عال من الامن لم تعش في ظله منذ إنشائها في ١٥ ايار عام ١٩٤٨ 
ولكن من ينظر إلى اسرائيل من الداخل يرى صورة أخرى قاتمة لا تبشر بخير وتطرح علامات استفهام جدية على مستقبل وجودها المصطنع والغريب في هذه المنطقة من العالم كونها قامت على أنقاض الشعب الفلسطيني الذي لم يكف منذ اكثر من مئة عام عن المقاومة وقدم على مذبح النضال من اجل تحرير وطنه واسترجاع حقوقه اكثر من ١٠١ الف شهيد ومئات الاف الجرحى وقائمة طويلة من الأسرى وملايين اللاجئين في الوطن و الشتات.
ولكي اوضح اكثر فان قادة اسرائيل المؤسسون بنوا استراتجيتهم الامنية والعسكرية على اساس ان تخلف الجيوش العربية الناجم عن تخلف النظام الرسمي العربي بشكل خاص و التخلف العربي بشكل عام ،وهي من أهم الامور التي مكنت تلك العصابات من انجاز الجزء الأكبر من مهمتها عام ١٩٤٨ واستكمال تلك المهمة عام ١٩٦٧، هو ظاهرة أبدية لن تتغير ويجب ضرب اي محاولة عربية جادة لتجاوزها وبناء جيوش عربية مقاومة تستطيع استرجاع فلسطين
ومن هنا على وجه التحديد فقد تحالفت كل القوى المعنية بدوام حالة التخلف العربي من صهيونية وامبريالية ورجعية عربية ضد تجربة الرئيس المصري العربي الراحل جمال عبد الناصر التحررية والعضوية الى ان تمكنت من اجهاضها بقتله مسموما في ٢٨ أيلول عام ١٩٧٠ من القرن الماضي وبقية القصة المعروفة.
ودونما حاجة للاسهاب فقد كانت حرب حزيران ١٩٦٧ التي تمكن خلالها الجيش الإسرائيلي من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء المصرية ذروة نجاحات التوسعية الصهيونية في مسيرتها الهادفة الى اقامة اسرائيل الكبرى الممتدة حدودها من النيل الى الفرات حسب المخطط الصهيوني
ولكن موقف جمال عبد الناصر الرافض للاستسلام لاسرائيل والذي عبر عنه سياسيا لواءات الخرطوم الثلاث وعسكريا بخوض حرب الاستنزاف ضد القوات الإسرائيلية على جبهة قناة السويس والتي خاضتها القوات المصرية المسلحة جامعة في المواجهة بين اسلوب حرب العصابات وأسلوب القوات النظامية وجه ضربة كبيرة لمشروع التوسع الصهيوني وفتح الباب على مصراعيه للمواجهة مع اسرائيل من خلال نهج المقاومة المسلحة والذي كان للفلسطينيين فيه دور الريادة
وقد أصاب السيد حسن نصر الله حينما نوه اكثر من مرة الى ان اسرائيل التي تمتلك واحدا من اقوى الجيوش في المنطقة لم تحقق منذ حرب حزيران ١٩٦٧ اي نصر في المعارك التي خاضتها مع العرب ،اللهم إلا اذا استثنينا تمكنها من اخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت في صيف عام ١٩٨٢ من القرن الماضي
وباختصار فان ظهور حركات مقاومة عربية من نوع جديد كحزب الله في لبنان و حماس والجهاد في فلسطين أدخل المشروع الصهيوني وتجسيده المادي الكيان الاسرائيلي في ورطة وجودية واستراتيجية حقيقية.وادى فيما ادى الى تراجع دور اسرائيل الوظيفي العسكري في خدمة المصالح الامريكية والغربية في المنطقة وهو مبرر وجودها الاساس
فلم تعد اسرائيل شرطي المنطقة وأصبحت مردوعة في لبنان بسبب خوفها الهائل بسبب قوة حزب الله الذي اجبرها على الانسحاب من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠ و هزمها شر هزيمة في حرب ٢٠٠٦ وأصبحت مردوعة من قبل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة المحاصر الذي هزمها في ثلاثة حروب وعشرات المواجهات العسكرية كان آخرها مطلع الشهر الجاري..
ولا ابالغ ان قلت بان هذا الظهور القوي لحركات المقاومة المدعومة من ايران كان نكبة حقيقية لاسرائيل لانها باتت تواجه عدوا عربيا وفلسطينيا صورته النمطية مختلفة تماما عن الصورة النمطية التي كونتها تاريخيا عن العدو الفلسطيني والعربي .
فهو يتسلح في مواجهتها بالعلم والمعرفة ويعرف كل شاردة وواردة في اسرائيل ويعرف مكامن قوتها كما يعرف مكامن ضعفها ويتابع عن كثب كل ما يصدر عن المراكز أبحاثها الاستراتيجية والعسكرية ويملك سلاحنا استراتيجيات مهمان هما سلاح الصواريخ والانفاق مما أفقد اسرائيل تفوقها العسكري الاستراتيجي.من ناحية وأبطل مفعول نظرية الامن الاسرائيلية التي قامت على اساس الحرب الخاطفة والحرب خارج الحدود.
فاسرائيل تعاني من نقطة ضعف قاتلة عندما تخوض حروبا او حتى مواجهات عسكرية محدودة حقيقية يكون احد ميادينها جبهتها الداخلية لانها لا تستطيع ان تقنع مستوطنيها الذين استجلبتهم للعيش فيها بامن وأمان بقبول فكرة الموت، ولذلك فهي تسارع الىالاستنجاد بالمصريين لوقف إطلاق نار سريع كما حصل في المواجهة الاخيرة مع غزة
وفي الختام يمكن القول ان اسرائيل ورغم كل النجاحات والاختراقات الاستراتيجية التي قامت بها وتمثلت في اتفاقات كامب ديفيد و اوسلو ووادي عربة وبهرولة عربان الخليج لتطبيع العلاقات معه وخدمات ترامب مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لها ونقل السفارة الأمريكية اليها وبسيادة اسرائيل على هضبة الجولان الا انها تعاني من ازمة وجودية حقيقية للأسباب الادددهامة التالية:-
. 1- عجزها عن شن الحروب للخروج من أزماتها البنيوية
2-    فشل مشروع اقامة اسرائيل الكبرى
 3-    فضل مشروع ترحيل ما تبقى من فلسطينيين عن وطنهم لحيث اصبح عدد الفلسطينيين اليوم في فلسطين التاريخية اكثر من عدد اليهود.
4-  فشل مشاريع توطين الفلسطينيين. 
5-  عودة الحركة الصهيونية الى شعاراتها العنصرية التقليدية في التعامل مع الفلسطينيين بشكل فظ بعد ان حاولت لعدة عقود تجميل نفسها
6- فشل مشاريع الأسرلة لفلسطينيي العام ١٩٤٨     
7- موت  ما كان يسمى باليسار الصهيوني بفعل عملية الاستقطاب الحادة التي جرت في المجتمع الاسرائيلي
8- تفشي ظاهرة الفساد في المجتمع الاسرائيلي 
9- فشلالرواية الصهيونية حول القدس والهيكل المزعوم حيث لم يتم العثور على اي اثر يؤكد بانهم كانوا في القدس ذات يوم. ودفع باليونيسكو الى استصدار قرار يؤكد بانها عربية اسلامية. 
10- تنامي الوعي في امريكا والغرب بان اسرائيل دولة عنصرية وقامت غلى أنقاض الشعب الفلسطيني وظهور حركات تدعوا إلى مقاطعة إسرائيل مثل بي -دي – اس.
11- بدايات تحول في موقف كبريات د وسائل الاعلام العالمية من اسرائيل بسبب انتهاكها لمبادئ القانون الدولي الانساني وجرائم القتل التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين سيما المشاركين في مسيرات العودة
ويبقى تمسك الفلسطينيين في العودة الى ملاعب الطفولة وبيارات البرتقال الحزين الذي يضمنه الحق التاريخي والحق القانوني الذي يكفله القرار ١٩٤ ورفض صفقة القرن التصفوية ضمانة لتجاوز ومحو اثار النكبة.
واخيرا فان عدم استعداد عتاة الصهاينة في إضاعة وقتهم في متاهات التسويات الاقتصادية وما كان يسمى زورا بحلول وسط تاريخية للصراع الفلسطيني العربي- الاسرائيلي وتوجهه لضم الضفة الى الكيان الاسرائيلي سينهي عمليا اتفاق اوسلو وكل ما ترتب عليه ويعيد تصويب الصراع من صراع حدود الى صراع وجود.

 

2019-05-18