الثلاثاء 7/3/1441 هـ الموافق 05/11/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لماذا أغفل العرب دور العراق في حرب تشرين عام 1973 ( 5 والأخيرة ) ...تميم منصور

ذكر قائد القوات العراقية التي حاربت على الجبهة السورية في حرب تشرين 1973 ، بأن تحديد مواقع قتالية لقواته في الجبهة السورية قد زاد من حماس الضباط والجنود لخوض المواجهة مع العدو ، وأشار بأن خبراء صواريخ سام الروس قد اتقنوا بالتعاون مع قوات الجيش السوري إقامة حائط من الصواريخ المضادة للطائرات ، وثبت أن هذا الحائط كان بمثابة غطاء شبه محكم لتحرك الآليات على الأرض .

وقبل بداية الهجوم توجه القائد العراقي الى ضابط من زملائه كان يرافقه في عربة القيادة وقال له:  - شوف شوف أيش بتعمل الصواريخ ... عد معي كم طياراً اسرائيلياً يهبطون بالمظلات بعد أن دمرت طائراتهم .. وردد هذا القائد ثلاث مرات دون أن يشعر : 

-          عاش السوفييت ... عاش السوفييت ... عاش السوفييت .

بفضل هذا الغطاء تم دخول القسم الأكبر من الآليات المدرعة التابعة للقوات العراقية الى مواضع آمنة ودون أية خسائر.

تسلمنا من السوريين بناية ربما كانت مدرسة كي تكون مركزاً للقيادة تابعة للقوات العراقية ، أول خطوة قمنا بها بعد أن شعرنا بلهيب المعارك التي كانت مشتعلة التمركز على إحدى التلال للرصد والكشف ودراسة المنطقة ، من فوق هذه التلة شاهدنا حالة الحرب والقتال التي كانت تملأ الأجواء، كانت أول مشكلة واجهناها بعد أن غمرنا غبار المعارك هي غياب التنسيق مع الجيش السوري لم نكن نعرف أين تقاتل الوحدات السورية ؟! وزاد من قلقنا بعد أن علمنا بوجود قوة عسكرية كوبية تستعد لدخول المعركة ، كما علمنا بوجود قوة عسكرية مغربية، وعلمنا أيضاً بأن قوة أردنية مكونة من أقوى الألوية في الجيش الأردني وهو اللواء الأربعون في طريقها إلى الجبهة .

ان عدم التنسيق بين الوحدات المقاتلة خاصة القوات غير السورية  أعاق تقدمنا ، وكان سبباً هاماً ومباشراً بعدم حسم المعركة ، ما هو السبب الذي منع مثل هذا التنسيق ؟ من الطبيعي أن يكون هناك تقصيراً من القيادة السورية ، التي لم تولي الأمر الأهمية التي يستحقها .

عندما انتهت الحرب العالمية الثانية كان عدد جيوش الاتحاد السوفياتي ما يقارب الخمسة ملايين جندي ، تحركهم  عاصمة واحدة ، ووزارة دفاع واحدة وقيادة عسكرية واحدة ، في حين أن الجبهة السورية رغم ضيقها شارك في القتال فيها مجموعة الوية وكتائب غير سورية ، ان خطورة هذا أن لكل جيش من هذه الجيوش عقيدته العسكرية الخاصة به ، ويؤكد المحللون العسكريون بأنه لو كانت هذه الجيوش تحت قيادة واحدة وتنسيق واحد لاختلف الأمر ، مثلاً عقيدة الجيش السوري في القتال عدم الانسحاب من المواقع التي احتلها ، أما عقيدة الجيش العراقي فكانت الاعتماد على أسلوب الكر والفر ، احتلال وانسحاب حتى تدمير العدو .

يذكر القائد العراقي العقيد الركن سليم شاكر الامامي في كتابه " الجيش العراقي وحرب 1973 " أنه من خلال عملية الاستكشاف كان من الضروري القيام بجولة ميدانية لرؤية أكبر عدد ممكن من القوات السورية المتقدمة ، ومشاهدة القطعات والمقرات ، كان في أذهاننا  سؤال وهو معرفة ما حدث ؟ ولماذا حدث ؟ لماذا انقلب ميزان الحرب بهذه السرعة ؟ بعد أن كان ميزان الحرب لصالح السوريين من خلال تقدمهم باتجاه الحدود الدولية ، انقلب وأصبح خلال بضعة أيام باتجاه معاكس ، حيث بدأ الاندفاع الإسرائيلي شرقاً ونحو دمشق ، ثم يطرح السؤال الأهم ما الذي بوسعنا عمله وسط هذا الموقف ؟

قبل معرفة الأجوبة عن كل الأسئلة التي كانت بخاطرنا ، ابلغنا بأنه يتوجب علينا التوجه إلى مقر الفرقة التاسعة مشاة السورية لمقابلة قائدها العقيد حسن التركماني ، لأن القيادة السورية قررت أن يعمل اللواء المدرع العراقي الى جانب فرقة المشاة التاسعة السورية . كان مقر فرقة المشاة السورية قد أقيم داخل كهوف ومجموعة خنادق حفرت في منطقة تلال ومرتفعات صخرية محكمة، ذكرتنا هذه التحصينات بالمقرات الألمانية والروسية خلال الحرب العالمية الثانية .

مع بداية اللقاء مع العقيد حسن تركماني أكد لنا أن كل ما بقي لديه من الدروع هو ثلاث دبابات فقط ، لقد لاحظ الجميع علامات القلق والاجهاد على الضباط السوريين، لقد حاول القائد العراقي طمأنة زملائه السوريين ، قال لهم :

-          جئنا لنقاتل حتى الموت ونحن على استعداد لتنفيذ الأوامر التي تطلبونها منا .. كان رد القائد السوري هو الطلب من القوات العرقية الهجوم والتقدم غرباً للوصول الى خط وقف اطلاق النار الدولي .

صمت القائد العراقي لكنه سارع في الإجابة على طلب الضابط السوري وقال له :

-          سيدي هذا واجب عام وأكبر بكثير من أن تكلف به قوة محدودة في الدروع والآليات ، كالقوة التي معي ، المكونة من كتيبتي دبابات + فوج آلي + كتيبة مدفعية ميدان ، الأفضل تحديد أهداف لاحتلالها ، رد القائد السوري :

-           أريد منك احتلال قرية  "  الوسية " ..!

لكن القائد السوري عاود وبدل رأيه بعد أن تلقى معلومات عن اختراق إسرائيلي لمناطق هامة  في منطقة تل الفرس ، فقد طلب من القوات العراقية التصدي للقوات المعادية في هذه المنطقة ، كما طلب من القوات العراقية التصدي لأي انزال مظلي للعدو شرق " تل الفرس"  ، كما كلفت القوات العراقية باحتلال " تل المال"    و " تل الشعار "  لوقف اختراق إسرائيلي شرق خط وقف اطلاق النار .

في صبيحة اليوم التالي تحركت ارتال قواتنا العراقية باتجاه الأهداف التي حددت لها ، ومع بداية هذا التحرك كانت لحظات مفعمة بالمشاعر والاحاسيس والآمال لدى القوة العراقية ، شعروا بأنهم  يقتربون من قاعة الامتحان وأننا نقف على عتبة شيئاً عظيماً وسعادة روحية ، بعد أن تقدمنا مئات الأمتار ، أبلغنا قائد سوري عبر اللاسلكي بأن العدو يتجه صوبكم ! اجابة القائد العراقي سوف نسحقه قبل أن يقترب منا ، وفعلاً أمر مدفعية الميدان بدك وضرب قوات العدو المتقدمة بالمدافع الصاروخية عيار 185 ملم ، كانت هذه المدافع فتاكة فعلاً ، حصل عليها العراق من الاتحاد السوفيتي ، وهذا النوع من المدفعية لا يتواجد خارج الاتحاد السوفيتي إلا مع الجيش العراقي .

ان شرح تفاصيل المعارك التي دارت يطول  ، لكن الجيش العراقي قاتل بشرف وبطولة على الجبهة السورية وبشهادة ضباط من أركان الجيش السوري وضباط من الجيش الأردني ، فقد أوقف تقدم الجيش الإسرائيلي وأغلق أمامهم كل الممرات والتلال التي بإمكانها دفعهم باتجاه دمشق ، فطردهم من مدينة سعسع واحتل تل الشعار وتل عنتر وتل المار والحرة وغيرها .

وقد استشهد من القوات العراقية العشرات من الشهداء ، روت دمائهم ارض الجولان السوري ، لكن صفحات التاريخ لم تنصف هؤلاء الشهداء ، ولم تنصف بقية الوحدات العسكرية غير السورية مثل الوحدة الأردنية والوحدة الكوبية ، لكن دمائهم سالت تعبيراً عن عطائهم ومواقفهم ومبادئهم العسكرية الشريفة .

2019-10-30