الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
السعودية وملف الصحراء المغربية....د. حميد لشهب

عرى "حكام السعودية" على وجههم الحقيقي اتجاه علاقاتهم بالعرب عموما وبالمغرب خصوصا، بل لم يعودوا يُخفون وجوههم بورق توت اتجاه خيانة القضايا العربية العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية واستكمال بعض الدول العربية استرجاع أراضيها من يد الإستعمار، كما هو الحال مع المغرب في صحراء أقاليمه الجنوبية. ويثبت هذا بالكاد السلوك المشين للحكام السعوديين في التدخل السافر في شؤون الأقطار العربية وديناميكية الهدم المُتعمد للنهضة العربية والإسلامية في كل قطر من أقطار الوطن العربي الحبيب.

 

كنت من الأوائل من المغاربة ممن عارضوا مشاركة المغرب في الحرب القذرة على الشعب اليمني، وكتبت في هذا الموضوع اقتناعا مني بأنها حرب غير مشروعة على شعب أعزل، لا يبررها أي شيء، باستثناء تطلع آل سعود للمزيد من الهدم وإشعال فتائل الفتنة في جسد الأمة العربية والإسلامية. وشعرت بارتياح عندما أعلن المغرب انسحابه من "التحالف المرتزقي" (من المرتزقة) ضد اليمن، بل صفقت له لأنه ترجمة لإرادة الشعب المغربي الذي يرفض هذه الحرب.

 

كما أن الموقف الحازم للمغرب ضد مقاطعة قطر -حتى وإن كانت لي تحفظات موضوعية اتجاه أصحاب القرار في هذا القطر ودعمهم المبدئي في بداية الأمر لكل قرارات آل سعود- كان موقفا شجاعا، يشكر عليه لأنه يصب في عمق الهوية المغربية، المؤمنة بضرورة نزع فتيل النزاعات بين الإخوان العرب والتركيز على بناء أمة عربية وإسلامية بجد ومسؤولية.

 

بتركيزها الأخير على ملف الصحراء المغربية، تعتقد السلطات السعودية بأنها وضعت الأصبع على مكمن الجرح، وتحاول الضغط أكثر لإضعاف المغرب وإرضاخه وإعادته لإسطبل سيطرتها، ناسية أن الشعب المغربي لن يتسامح ولو في حبة من رمال صحرائه، لأنها أرضه المشروعة. المغرب من أقدم الملكيات في العالم المسلم، وهي ملكية ضامنة لاستقرار البلد ومحمية حماية كاملة من طرف شعب أبي، تعلم في تاريخه الطويل التمييز بين الغث والثمين بين أصدقاءه، ولم تكن السعودية على المستوى الشعبي أبدا بلدا "شقيقا" للشعب المغربي، لأن سلوكها المتعجرف اتجاه كل الشعوب العربية لا يُمكن أن يُقبل من طرف شعب حر في أي بلد عربي، وفي مقدمتها المغرب.

 

تحاول السعودية، بهجمتها الأخيرة على المغرب، لعب آخر ورقة تعتقد بأنها تساعدها في إدلال المغرب والمغاربة، شعبا وسلطة، لكنها بلعب هذه الورقة عرت عن عورتها في الساعة الديبلوماسية العالمية وبرهنت للعالم أجمع بأن ديبلوماسيتها وسياستها مؤسسة على منطق دفع العلاوات والرشاوي لضمان استمراريتها الهشة داخليا وخارجيا. أكثر من هذا، يُعتبر مثال المغرب هنا عربونا لكل الأقطار العربية الأخرى على أن زمن شراء "صداقات" وهِمَم العرب من طرف حكام السعودية قد انتهى، وفي جنونها الوجودي تضرب يمينا وشمالا جغرافية الوطن العربي، لتجد نفسها في آخر المطاف وحيدة وتستغيث من جديد بأسيادها الأمريكيين "لعتق" رقبتها من السيف الذي تُشهره في وجه كل عربي.

 

ما لا تريد السعودية فهمه هو أن الحكم الذاتي في الصحراء المغربية تحت السيادة الوطنية هو أمر واقع لا يتطلب أية إضافة ولا أية شرعية جديدتين. فالأقاليم الجنوبية المغربية تعرف منذ إرجاعها للوطن الأم دينامية خارقة للعادة بمساعدة أبنائها وبناتها الأبرار، الذي لا ينتظرون أي شيء من السعودية، بل أبهروا العالم في إعمار مناطقهم وتحديثها وانخراطهم في مسلسل ديمقراطي حديث، بمؤسسات وهيئات مُنتخبة، لا توجد في السعودية نفسها، التي لا تتقن إلا الحكم الديكتاتوري. بحركاتها البهلوانية اتجاه المغرب، ستتأكد السعودية بأن حكمة الشعب المغربي قاطبة لن تتغير في تعاملها مع الحكام السعوديين، بما أن هؤلاء الأخيرين لا يؤمنون لا بالله ولا بشعبهم في بناء سعودية حديثة وقوية.

 

بدأ العد العكسي إذن لسلطة مملكة "المنشار" التي تتفنن إلى حد الجنون في محاولة زعزعة كل الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج بريع عائدات الحج، بمعنى أنها اهتدت منذ سنين إلى استثمار هذه العائدات في محاولة تفكيك الأمة المسلمة قاطبة، لا فرق عندها بين الشيعي والسني، الأبيض والأسود، السوري والعراقي، الفلسطيني والليبي. عندما يُحَصِّن الحاكم السعودي الحالي رمال قصوره ضد كل جيرانه العرب، سيتيقظ غول الشعب السعودي المرابط على تخوم هذه القصور الهشة، والذي لم تستطع السلطة السعودية ردعه لحد الآن، بل تُلهيه باختلاق أعداء وهميين من الشعوب العربية. سيفترس أحرار السعودية هذا النظام المستبد، حتى ولو لجأ مرة أخرى إلى أسياده وحماته، لأن الشعب السعودي لم يعد اليوم وحده، بل له من يآزره للتحرر من قبضة الجبروت. وقد حان الوقت ليعلن الوطن العربي والأمة المسلمة قاطبة إعلان إضراب على مناسك الحج والعمرة، كخطوة جدية مسؤولة، لتحرير أراضينا المقدسة في شبة الجزيرة العربية من أيدي الكفار والتكفيرين، عبدة الشيطان والدولار.

2019-02-02