السبت 5/3/1444 هـ الموافق 01/10/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ارتفاع الأسعار وتداعيات الأزمة على فلسطين...د. أكرم فارس أبو جامع

خـلال العاميـن الماضييـن، ارتفعـت الأسعار العالميـة للغـذاء ارتفاعـا كبيـرا وبمعـدل أعلـى مـن ارتفـاع أسـعار الغـذاء فـي فلسـطين. ويعكـس هذا التبايـن الارتباطـ الاقتصادي الفلسـطيني بمسـارات التضخـم فـي إسـرائيل وتأثـره بتشـوهات الوصـول للتجـارة والتسهيلات التـي تؤثـر علـى المسـتهلكين الفلسـطينيين بشـكل غيـر متكافـئ. وفي هذا الإطار تشير بيانات أسعار المستهلك عند مقارنة شهر يونيو 2022 مع شهر يونيو 2021 إلى ارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلك في فلسطين بنسبة 4.47%، وبواقع 4.28% في القدس، وبنسبة 4.57 %في الضفة الغربية، وبنسبة 3.91% في قطاع غزة. وهذا كنتيجة لارتفاع أسعار المحروقات والبيض والدجاج والخبز على الرغم من تراجع أسعار الخضروات الطازجة والفواكه خلال شهر يونيو 2022 .

وتفسيرا لذلك، تستمر أسعار المواد والخدمات الأساسية في الارتفاع خصوصا المحروقات منها، هنا يتبادر إلى ذهننا السؤال التالي أين الدور الحكومي من هذا الارتفاع في الأسعار؟

في واقع الأمر يصعب الجزم أن لفلسطين اقتصاد مكتمل التعريف، بل ما هو موجود فعليا "أقرب إلى الاقتصاد غير الحقيقي، وبالتالي يمكن تصنيف هذه الحالة الاقتصادية أقرب ما يكون إلى البدائية التي تحاكي ظروف القرون الوسطى (القرن السادس عشر والسابع عشر) وفق الرؤية الماركانتية أو التجارية، وعليه طغى واقع غير مستقر لا يحسم أي سياسة اقتصادية واضحة أو محددة في ظل توازنات مختلة مرتبطة بعوامل خارجية أهمها الاحتلال وعوامل ذاتية أهمها سوء الإدارة والقرارات الاقتصادية غير الصائبة التي لا ترتكز إلى أي برامج تنموية متكاملة. وبات من الواضح أن المنحى التقشفي (بما يخص العديد من الملفات: الأجور التقاعد المبكر، إشكالية الدعم لأسعار السلع الأساسية) الذي تتبناه الحكومة بات يستهدف محرك الاستهلاك من خلال اثقال كاهل المواطن بأعباء ضريبية وجبائية جديدة.

في سياق آخر، تأثرت فلسطين كغيرها من البلدان بجائحة كوفيد-19 تحديدا على سبل العيش واستراتيجيات التأقلم، فحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (2021) أن ما نسبته 60.3% من الأسر أفادت بأن دخلها الشهري من كافة المصادر قد انخفض مقارنة مع فترة ما قبل ظهور جائحة كورونا) 32.0% انخفض أقل من النصف، و28.3%انخفض بمقدار النصف فأكثر(.

ولمزيد من التوضيح نأخذ على سبيل المثال لا الحصر سعر أسطوانة الغاز (12 لتر) الذي بلغ 70 شيكل بما يعادل 21.3 دولار أمريكي (علما أن نظيره في البلدان العربية سواء منها المصدرة للنفط وغير المصدرة كالآتي: مصر 3.75 دولار، الأردن 9.72 دولار، الجزائر 1.3 دولار، تونس 2.47 دولار).

ولعله من المفيد أن ننوه إلى أن الدول سالفة الذكر بالرغم من انخراطها في برامج إصلاحية ذات خلفية ليبرالية مقرة سلفا من مؤسسات النقد الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين) والتي تشترط عناصر تحريرية أهمها رفع الدعم على المواد الأساسية وتخفيف رعاية الدولة، إلا أن هذه الدول لا زالت ترعى وتدعم المواد الأساسية والخدمات؛ النقل، الخبز، الغاز، الدقيق، الكهرباء والماء ..إلخ، الأمر المرتبط بشكل مباشر بترسيخ حالة الاستقرار السياسي وامتصاص الصدمات المعيشية التي قد تنشأ بسبب الانخراط في برامج الإصلاح الاقتصادي.

وفي هذا الصدد، يلاحظ من خلال القراءة الأولية أن الصعوبة تزداد في المفاضلة بين السياسات على المدى القريب في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفلسطين أحد تلك البلدان. ويمثل احتواء التضخم أولوية أساسية بالرغم من هشاشة التعافي الراهن. وسيكون من الضروري توجيه الأسواق في البلدان التي تواجه خطر ارتفاع التوقعات التضخمية أو اتساع نطاق الضغوط السعرية.

ولعله من المفيد لنا قبل تناول التوصيات أن نذكر بعض الملاحظات المنهجية ذات العلاقة:

الملاحظة الأولى: حول إشكالية الأسعار في فلسطين خصوصا في قطاع غزة أن القرارات التي تأخذ عادة تكون بدون استراتيجية تنموية واضحة وموحدة وشفافة وخاضعة للمساءلة.  والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما هي النوايا لدى صانعي القرارات والسياسات؟ هل هذه النوايا تقشفية توسعية، هجومية أم دفاعية؟ والهدف أن نأخذ فكرة عن التموقع.

الملاحظة الثانية: الملاحظ بكل حسرة إطالة أمد الانقسام الفلسطيني وغياب الوحدة الوطنية وما نتج عنه من تشتت مؤسساتي وهيكلي وتأثر جانب التخطيط الاستراتيجي السليم والحاوي، وبالتالي كيف يمكن أن نبني سياسات ناجعة في ظل حالة من عدم الاستقرار السياسي بكيانين منفصلين، لذلك لم تعد الرؤية واضحة لا على مستوى القاعدة ولا على مستوى المضمون ولا الأهداف ولا الإصلاحات. وفي هذا المقام هذه دعوة ملحة لأن يكون موقف وطني مسؤول بضرورة انهاء الانقسام ونبذ الفرقة وإقرار الوحدة الوطنية (على الأقل الاقتصادية).

الملاحظة الثالثة: نحن نعيش في عالم متقلب لذلك نحتاج إلى آليات ومؤشرات استباقية لتحديد التموقع الجيواستراتيجي على مستوى البلد وتموقع قطاعي، نتحدث مثلا؛ مساهمة الأنشطة الصناعية 12% في عام 2021 من الناتج المحلي بعدما كانت 22% عام 1994. وبالتالي عندما لا تكون رؤية لا يمكن أن تكون قرارات استراتيجية سليمة أي "لا يوجد ريح مواتية لمن لا يعلم إلى أين هو ذاهب".

الملاحظة الرابعة: أننا في فلسطين نعيش حالة من البطالة الجديدة والتي تختلف كليا عن النمط التقليدي لمفهوم البطالة كنتيجة حتمية للانقسام ما يعني تعطل فئة كبيرة من العاملين والموظفين من ذوي الكفاءات والمهارات والخبرات تحديدا بقطاع غزة وما تسبب به هذا الأمر من آثار سلبية سواء اقتصادية، اجتماعية أو حتى نفسية.

وتأسيسا على ما سبق يمكن حصر بعض المقترحات التي يتعين على الحكومة الفلسطينية تبنيها وأهمها: مواجهة خطر انعدام الأمن الغذائي والتخفيف من تداعيات ارتفاع الأسعار الدولية على الفقراء بالسرعة الممكنة خصوصا حماية الأسر الضعيفة تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي والتخفيف من أثر ارتفاع الأسعار على الأسر المعيشية من خلال دعم المواد الغذائية ومنتجات الطاقة. أن امكانية زيادة الأسعار تدريجيا يجب أن تكون متزامنة مع أهمية مواصلة السعي لتحصيل مزيد من الدعم المالي المقدم من المجتمع الدولي إلى الحكومة الفلسطينية. ضرورة إنعاش الاقتصاد بمشاريع ذات طاقة تشغيلية كبرى في إطار شراكة القطاع العام والخاص والمجتمع المحلي والعمل على دعم المنشآت الاقتصادية الصغيرة والمتناهية الصغر والتي تمثل ما نسبته 96% من إجمالي المنشآت في فلسطين. أخيرا ينبغي على صانعي القرار أن يضعوا أمامهم المحور الاجتماعي، فاقتصاد اليوم والغد هو اجتماعي.

2022-08-08