الجمعة 15/5/1444 هـ الموافق 09/12/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
فيلم" براءة المسلمين" مشروع للفتنة الطائفية/ بقلم راسم عبيدات

الفيلم الذي تم عرضه بعنوان" براءة المسلمين"،واضح جداً أنه لا يشكل فقط تعصباً أعمى لا يطاق،وأنه شكل من أشكال العنصرية والتطرف المقيتة،بل يمثل خروجاً سافراً على حرية الرأي والتعبير،وتعدياً صارخاً على المقدسات الدينية للشعوب،وعلى الأعراف والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان،التي تؤكد على أن حرية التعبير عن الأديان يجب أن تكون مقيدة بضوابط القانون التي تحقق المصلحة العامة لحماية الحياة والأخلاق والحقوق والحريات،وهذا الفيلم الذي أخرجه سام باسيل الأمريكي الإسرائيلي ذلك المستثمر العقاري،والذي ينضح بالعنصرية والتطرف،حيث يصور الدين الإسلامي على أنه دين "كراهية"،وبعد الاحتجاجات التي أعقبت عرض الفيلم،قال في تصريح صحفي له بأن "الإسلام سرطان"،وقد جرى إخراج هذا الفيلم بالتعاون مع أقباط المهجر.

شكل عرض هذا الفيلم صدمة وإساءة لمشاعر مئات الملايين من المسلمين،والذي رأى فيه المسلمين والمسيحيين معاً أنه مشروع فتنة طائفية،وحسناً صنع الفاتيكان بإدانته لهذا الفيلم المسيء للرسول ولكل المسلمين،حيث قال الفاتيكان في بيانه "الاحترام العميق لمعتقدات ونصوص وشخصيات ورموز مختلف الديانات شرط جوهري للتعايش السلمي بين الشعوب"،وهذا الفيلم لم يأتي في إطار قيام صحفي برسم كاريكاتير مسيء للرسول أو قيام قس مغمور بإحراق نسخ من القرآن الكريم،بل هذا له هدف وأجندة خطيرة جداً جرى التخطيط لها ورسمها بعناية،ويأتي ذلك في إطار مشروع سياسي نجد تعبيراته فيما يحدث في العالم العربي،حيث تثار الفتن الطائفية والمذهبية والصراع يحرف عن جوهره من صراع عربي- إسرائيلي الى صراع عربي- فارسي،وهذا يندرج ضمن إطار ما يسمى بالفوضى الخلاقة ،المشروع الأمريكي القائم بالأساس على إغراق العالم العربي بالفتن الطائفية والمذهبية،وتمويل عمليات قتل وتخريب بلدانهم ذاتياً،فهناك من يمول هذه المشروع  عربياً في سبيل حمايته واستمرار وجوده في الحكم من مشيخات نفط الخليج العربي،وأمريكا تنبهت لهذا المشروع على ضوء غزوها واحتلالها لكل من العراق وأفغانستان،حيث رأت أن الطريق الأقصر من أجل حماية مصالحها وأهدافها في المنطقة،هو تقليل خسائرها البشرية،عبر إقامة قواعد عسكرية دائمة لها في تلك البلدان وربطها عبر تحالفات واتفاقيات أمنية،مع أنظمة حكم تعمل هي على إقامتها،وهذه الأنظمة تكون هشة وضعيفة،حيث يجري تغذية النعرات الطائفية والمذهبية،وبما لا يحمل أمريكا المسؤولية،ولتصل تلك الفتن الى حد الحرب والاقتتال ويصبح لا مناص من تشطير وتقسيم وتجزئة وتذرير وتفكيك البلد جغرافياً على ان يعاد تركيبها على أسس طائفية ومذهبية،وهذا المشروع نجد تجلياته الآن في الشام،حيث أن بعض السذج يعتقد بأن ما يجري له علاقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات،وفي الوقت الذي يستجيب فيه الأسد للشروط والاملاءات الأمريكية،يصبح الأسد رجل الديمقراطية والسلام الأول ويحصل على جائزة نوبل للسلام،كما حصل عليها المغدور السادات،والرئيس الشهيد أبو عمار والتي جرى سحبها منه بعدما تعارضت مواقفه وسياساته مع الأهداف والمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة،ولتجري عملية حصاره في المقاطعة في رام الله ومن ثم قتله بالسم،ويصبح ما يسمى بالجيش الحر مجموعة من القتلة والإرهابيين،والمشروع المذكور حتى يعيد العرب إلى ما قبل مئة عام،ويضمن لإسرائيل البقاء والتفوق ولأمريكا الحفاظ على مصالحها في المنطقة،يجب أن يضمن تخريب وتفتيت وتدمير ثلاث دول مركزية،هي العراق عم فيها الخراب والتدمير والتقسيم،وسوريا التخريب والتدمير فيها على قدم وساق،ومصر يجري العمل على إخراج المشروع من خلال الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط إلى حيز التنفيذ،حيث يجري تغذيه هذه الفتنة من  قبل جهات مشبوهة مسيحية وإسلامية.

والمأساة أن تشويه الإسلام وإظهاره بصورة مسيئة،على أنه دين عنف وقتل  وجهل وتخلف،هي مسؤولية العديد من الفرق والشيع الإسلامية المغرقة في التشدد والعصبوية والتخلف،حيث تقوم بارتكاب جرائم وأعمال إرهابية يتم نسبها الى الإسلام زوراً وبهتاناً،وهنا الخطر الأكبر على الإسلام والمسلمين، فهو يأتي من هذه الجماعات المتأسلمة،فما الهدف من الفتوى التي تدعو الى هدم الكنائس في الجزيرة العربية؟،أليس هذا إساءة الى الإسلام والمسلمين،ودعوة صريحة إلى قتل وطرد المسلمين الموجودين في أوروبا وهدم مساجدهم هناك؟،وكذلك فتاوى التكفير والتخوين،أليست دعوة صريحة الى النعرات والفتن المذهبية والعنف الداخلي؟،والجرائم التي ترتكبها بعض الجماعات الإسلامية العصبوية المتشددة والمتطرفة من أعمال قتل وتخريب وتدمير للممتلكات العامة،هي أيضا تندرج في هذا الإطار والسياق.

على الجميع في مصر مسلمين ومسيحيين ان يحذر من الفتنة الطائفية،فالمستهدف هو اللحمة والنسيج المجتمعي المصري،فهناك مشروع يحاك ضد مصر من أجل منعها من النهوض واستعادة مكانتها ودورها العربي والإقليمي والدولي،وإسرائيل هي المعني والمستفيد الأول والأخير من ذلك،عبر إغراقها في مشاكل داخلية وفتن طائفية،فتن تقود الى تخريب البلد والعمل على تقسيمها الى أكثر من دولة،تحت يافطة وذريعة حماية العرب الاقباط،وهذه نقطة على درجة عالية من الخطورة والأهمية،حيث الخوف من وصول الاخوان الحكم،دفع ببعض القوى المسيحية الى تأسيس حزب الاخوان المسيحيين كردة فعل على وصل الأخوان الى الحكم،فهم يرون في حكم الأخوان المسلمين ومشروعهم السياسي،مشروع لأسلمه المجتمع وإقامة الدولة الدينية التي تنتهك فيها الحريات وحقوق باقي الطوائف الأخرى ومكوناته المجتمعية،ومن هنا تأتي الدعوة الى إقامة دولة مدنية لكل المصريين،تحترم كل معتقدات وانتماءات المصريين،وبما لا يعرض وحدة المجتمع الاجتماعية والوطنية للخطر،أو يتعارض مع مصلحة البلد  وهويتها.

نحن جميعاً ندرك أن مواقف الأقباط في مصر الوطنية والقومية يعتد ويعتز بها،فالأنبا الراحل شنودة الثالث،وقف مواقف قومية ووطنية في عهد مبارك والسادات،دفع ثمنها نفياً ومقاطعة وتهميشاً،ويكفي أنه رفض التطبيع مع الاحتلال الصهيوني،واعتبر زيارة الأقباط للقدس تحت الاحتلال شكلاً من أشكال التطبيع،هذا الرجل صاحب المواقف القومية والوطنية،دعت العديد من الجماعات السلفية الى عدم المشاركة في جنازته،وبما يؤشر إلى أي مدى تلك الجماعات مغرقة في التطرف والتشدد والاقصائية.

ومن هنا فهذا الفلم الذي أخرجه المخرج  الإسرائيلي الأمريكي سام باسيل،ليس فقط الهدف منه تشويه صورة الإسلام والمسلمين والإساءة للرموز والمعتقدات الإسلامية فقط،بل الهدف أبعد وأكبر وأخطر من ذلك،ألا وهو إغراق مصر في مشاكل واحتراب طائفي تميهداً للتقسيم وإضعاف مصر كدولة وموقع ودور.

[email protected]

2012-09-16